22 المواريث (الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ والمفقود والحمل)
الخنثى المشكل
فَاقْسِمْ عَلَى الأَقَلِّ وَالْيَقِينِ***تَحْظَ بِحَقِّ الْقَسْمِ وَالتَّبْيينِ
الخنثى المشكل: هو من لا يعرف أذكر هو أم أنثى، وذلك بأن يكون فيه علامتا الذكور والإناث من غير تمييز أو لا يكون فيه علامة أحدهما.
هذا وقد أشبع الكلام عليه في باب الميراث الفقهاء والفرضيون ولقلة وقوعه - ولله الحمد - تركنا الكلام عليه.
ميراث المفقود
المفقود من انقطع خبره فلم يعلم له حياة ولا موت والرجوع في تقدير مدة الإنتظار إلى اجتهاد الحاكم ويختلف ذلك باختلاف الأشخاص والأحوال والأماكن والحكومات، فيقدر مدة للبحث عنه بحيث يغلب على الظن تبين حياته لو كان موجوداً ثم يحكم بموته بعد انتهائها، والله أعلم.
ولنا في المفقود نظران أحدهما: في إرثه، والثاني: في الإرث منه.
فأما إرثه: فإنه متى مات مورثه قبل الحكم بموته ورثه المفقود فيوقف له نصيبه كاملاً ويعامل بقية الورثة باليقين، فمن كان محجوباً لم يعط شيئاً ومن كان ينقصه أعطي الأقل، ومن كان لا ينقصه أعطي إرثه كاملاً.
فلو هلك عن زوجة وجدة وعم وابن مفقود أعطينا الزوجة الثمن لأنه اليقين والجدة السدس لأن المفقود لا ينقصها ولم نعط العم شيئاً لأن المفقود يحجبه فنقف الباقي ثم لا يخلو من أربعة أحوال:
إحداها: أن نعلم أنه مات قبل مورثه فنرد الموقوف إلى من يستحقه من ورثة الأول.
الثاني: أن نعلم أنه مات بعده فيكون الموقوف تركة للمفقود ويصرف لورثته.
الثالثة: أن نعلم أنه مات ولا ندري أقبل مورثه أم بعده فجزم في "الإقناع" بأن الموقوف يكون لمن يستحقه من ورثة الأول كالحال الأولى، وجزم في "المنتهى" بأن الموقوف تركة للمفقود يصرف لورثته وهذا هو المذهب، وهو الصواب لأن الأصل بقاء حياته ولا يحكم بموته إلا بعد انقضاء مدة التربص.
الرابعة: أن لا نعلم له حياة ولا موتاً حتى تنقضي المدة وحكمها كالثالثة خلافاً ومذهباً.
النظر الثاني: في الإرث منه: فلا يورث ما دامت مدة التربص باقية لأن الأصل بقاء حياته، فإذا انقضت مدة التربص حكمنا بموته وقسمنا تركته على من كان وارثاً منه حين انقضائها ثم إن استمر جهل حاله فالحكم باق، وإن تبين أنه مات قبل ذلك أو بعده فماله لورثته حين موته وإن تبين أنه حي فماله له.
ومتى تبين أن ورثته حين انقضاء المدة لا يستحقون إرثه رجع عليهم من يستحقه بعينه إن كان باقياً أو بدله إن كان تالفاً من مثل مثلي أو قيمة متقوم لأنه قد تبين أنهم لا يستحقونه.
ميراث الحمل
إذا مات عن ورثة فيهم حمل فإن شاؤوا تأجيل القسمة حتى يوضع الحمل فلا بأس لأن الحق لهم وإن طلبوا أو بعضهم القسمة قبل الوضع فلهم ذلك، وحينئذ يجب العمل بالأحوط في إرث الحمل وفي إرث من معه.
ولا يوقف للحمل أكثر من إرث اثنين لأن ما زاد عليهما نادر، والنادر لا حكم له، ولا ينقص عن اثنين لأن وضع الاثنين كثير فوجب العمل بالاحتياط.
ثم إذا وضع على وجه يثبت به إرثه فإن كان ما وقف له بقدر إرثه أخذه وإن كان أقل أخذ تتمته ممن هي بيده وإن كان أكثر رد الزائد على من يستحقه من الورثة.
شروط إرث الحمل
يشترط لإرث الحمل شرطان:
أحدهما: أن يتحقق وجوده حين موت مورثه وذلك بأحد أمرين:
الأول: أن تضع من فيه حياة مستقرة لدون ستة أشهر من موت مورثه مطلقاً.
الثاني: أن تضع من فيه حياة مستقرة بشرط أن لا توطأ بعد وفاته، ومدة الحمل قد تزيد على أربع سنين كما وقع.
الشرط الثاني: أن يوضع حياً حياة مستقرة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا استهل المولود ورث"، وتُعْلَمُ حياته باستهلاله وعطاسه ورضاعه ونحوها، فأما الحركة اليسيرة والاضطراب والتنفس اليسير الذي لا يدل على الحياة المستقرة فلا عبرة به.
ومتى شك في وجود الحياة المستقرة لم يرث لأن الأصل عدمها.
"فائدة": يجب الاستبراء بعد موت المورث لكل موطوءة يرث حملها أو يحجب غيره، فلو مات عن أم متزوجة بزوج بعد موت أبيه وعن أخوين شقيقين وجب على الزوج الاستبراء لأن حمل أمه يرث منه.
ولو مات عن أم متزوجة بزوج بعد أبيه وأخ شقيق وجد وجب على الزوج الاستبراء لأن الحمل يحجب أمه
الغرقى والهدمى
وَلَمْ يَكُنْ يُعْلَمُ حَالُ السَّابِقِ***فَلاَ تُوَرِّثْ زَاهِقَاً مِنْ زَاهِقِ
وَعُدَّهُمْ كَأَنَّهُمْ أَجَانِبُ***فَهَكَذَا الْقَوْلُ السَّدِيدُ الصَّائِبُ
وَقَدْ أَتَى الْقَوْلُ عَلَى مَا شِئْنَا***مِنْ قِسْمَةِ الْمِيرَاثِ إِذْ بَيَّنَّا
عَلَى طَرِيقِ الرَّمْزِ وَالإِشَارَهْ***مُلَخَّصَاً بِأَوْجَزِ الْعِبَارَهْ
فَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى التَّمَامِ***حَمْدَاً كَثِيرَاً تَمَّ فِي الدَّوَامِ
أَسْأَلُهُ الْعَفْوَ عَنِ التَّقْصِيرِ***وَخَيْرَ مَا نَأْمُلُ فِي الْمَصِيرِ
وَغَفْرَ مَا كَانَ مِنَ الذُّنُوبِ***وَسَتْرَ مَا شَانَ مِنَ الْعُيُوبِ
وَأَفْضَلُ الصَّلاَةِ وَالتَّسْلِيمِ***عَلَى النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى الْكَرِيمِ
مُحَمَّدٍ خَيْرِ الأَنَامِ الْعَاقِبِ***وَآلِهِ الْغُرِّ ذَوِي الْمَنَاقِبِ
وَصَحْبِهِ الأَمَاجِدِ الأَبْرَارِ***الصَّفْوَةِ الأَكَابِرِ الأَخْيَارِ
يقصد الفرضيون رحمهم الله بهذا الباب كل جماعة متوارثين ماتوا بحادث عام كهدم وغرق ونحوهما.
فمتى وقع ذلك فلا يخلو من خمسة أحوال:
الأولى: أن نعلم المتأخر منهم بعينه فيرث من المتقدم ولا عكس.
الثانية: أن نعلم أن موتهم وقع دفعة واحدة فلا توارث بينهم لأن من شروط الإرث حياة الوارث بعد موت مورثه حقيقة أو حكماً ولم يوجد.
الثالثة: أن نجهل كيف وقع الموت؛ هل كان مرتباً أو دفعة واحدة؟
الرابعة: أن نعلم أن موتهم مرتب ولكن لا نعلم عين المتأخر.
الخامسة: أن نعلم المتأخر ثم ننساه.
وفي هذه الأحوال الثلاث لا توارث بينهم.