06 الأصول الثلاثة (من ربك)
اِعْلَمْ أَرْشَدَكَ اللهُ لِطَاعَتِهِ: أَنَّ الحَنِيْفِيَّةَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ: أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ مُخْلِصًا لَهُ الدِّيْنَ، وَبِذَلِكَ أَمَرَ اللهُ جَمِيعَ النَّاسِ وَخَلَقَهُمْ لَهَا؛ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) ﴾ وَمَعْنَى يَعْبُدُونِ: يُوَحِّدُونِ .
وَأَعْظَمُ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ التَّوحِيْدُ؛ وَهُوَ: إِفْرَادُ اللهِ بِالْعِبَادَةِ , وَأَعْظَمُ مَا نَهَى عَنْهُ الشِّرْكُ؛ وَهُوَ: دَعْوَةُ غَيْرِهِ مَعَهُ.
الحنيفية
لغةً: مأخوذةٌ من الحَنف وهو المَيلُ
شرعًا: هي المِلَّةُ المائلة عن الشِّرك المُقبِلَةُ إلى الإخلاصِ والتَّوحيد والإيمان. ﴿قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ يَعني مقبِلًا إلى الله مدبِرًا عن الشِّرك، فالحَنِيفُ الَّذي يَرجِعُ دائمًا إلى التَّوحيد ويَبتعِدُ عن الشِّرك.
يوضِّحُ هنا المؤلِّف لماذا نَدرُس التَّوحيد، وقد ذكَرْنا أهمِّيَّته سابقًا.
تعريف التوحيد - كما ذكرنا سابقا في المقدمة -
لغةً: مصدر وحَّد يوحِّد توحيدًا. وحَّد الشَّيء؛ إذا جَعَلَهُ واحِدًا.
شرعاً: هو إفرادُ الله بما يَختصُّ به من الرُّبوبيَّة والألوهيَّة والأسماء والصِّفات.
قال المؤلِّف: (ومعنى يعبدون: يوحِّدون)، وهذا هو قَول ابن عبَّاسٍ حيث قال: «إنَّ كلَّ عبادةٍ في القرآن معناها: التَّوحيد». ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ ﴾: وحِّدوا الله، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ﴾ : يا أيُّها النَّاس وحِّدوا ربَّكم.
رابعاً: الأصول الثلاثة
فَإِذَا قِيْلَ لَكَ: مَا الأُصُولُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي يَجِبُ عَلَى الإِنْسَانِ مَعْرِفَتُهَا؟
فَقُلْ: مَعْرِفَةُ العَبْدِ رَبَّهُ، وَدِيْنَهُ، وَنَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ .
فَإِذَا قِيْلَ لَكَ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَقُلْ: رَبِيَ اللهُ الَّذِي رَبَّانِي وَرَبَّى جَمِيْعَ العَالَمِيْنَ بِنِعَمِهِ، وَهُوَ مَعْبُودِي لَيْسَ لِيْ مَعْبُودٌ سِوَاهُ. وَالدَّلِيْلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (2)
وَكُلُّ مَا سِوَى اللهِ عَالَمٌ، وَأَنَا وَاحِدٌ مِنْ ذَلِكَ العَالَمِ .
بَدأ المصنِّف بذِكْرِ الأصول الثَّلاثة، والمُتمثِّلة في أسئلةِ القبْرِ الثَّلاثة، وأثار انتباهَ القارِئ أو السَّامع بسؤالٍ، وأجابَ عليه.
(2) وضَّح المُصنِّف الأصلَ الأوَّلَ وبيَّن أنَّ الرَّبَّ والمُستحقَّ للعِبادة هو الله ، وذَكَرَ الدَّليلَ، وهو قول الله تعالى: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾، فالرَّبُّ هو المَعبودُ.
* ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ هذه الآية جَمَعتْ أنواعَ التوحيد الثلاثة:
- ﴿ الْحَمْدُ ﴾ فيه إثباتُ توحيدِ الأسماء والصِّفات.
- ﴿ لِلَّهِ ﴾ فيه إثباتُ توحيد الألوهيَّة
- ﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ فيه إثبات توحيد الرُّبوبيَّة
أي: كلُّ ما سِوى الله مَخلوقٌ، وإذا كنتُ مخلوقًا لابدَّ أن أقومَ بشكرِ الخالِق المنعِمِ المتفضِّلِ سبحانه و تعالى.
فَإِذَا قِيْلَ لَكَ بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ؟ فَقُلْ: بِآيَاتِهِ وَمَخْلُوقَاتِهِ، وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ، وَمِنْ مَخْلُوقَاتِهِ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرَضُونَ السَّبْعُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَمَا بَينَهُمَا .
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37)
﴾ وَقَولُهُ: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ
وَالرَّبُّ هُوَ المَعْبُودُ، وَالدَّلِيْلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22).﴾
قَالَ ابْنُ كَثِيْرٍ رحمة الله: «الخَالِقُ لِهَذِهِ الأَشْيَاءِ هُوَ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ» .
شَرَعَ المؤلِّفُ في ذِكْرِ مجموعةٍ مِن الآيات الكونيَّة والمخلوقاتِ الَّتي تدلُّ على وُجودِ الله، والَّتي تُثبِتُ أنَّه لا ربَّ و لا خالِقَ و لا مَعبودَ بحَقٍّ إلَّا الله. وساق عليها الأدلَّة من القرآن كما هي مذكورةٌ في المَتن.
* وكلُّ مَخلوقٍ هو آيةٌ على وُجود الله سبحانه و تعالى، ولكن غايَرَ شيخُ الإسلام محمَّد بنِ عبد الوهَّاب رحمة الله بَين الآية والمَخلوق؛ لأنَّ الآيةَ تتغيَّر؛ مِثل اللَّيل والنَّهار، والَّذي يتغيَّر يكون فيه قوَّةُ دليلٍ عن الَّذي لا يَتغيَّر.
هذه الآية في سُورةِ البقرة، قال بعضُ العلماء: إنَّ هذه الآية فيها أوَّلُ نداءٍ في القرآن: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ﴾. وفيها أوَّلُ فِعْلِ أَمْرٍ في القرآن﴿ اعْبُدُوا ﴾ أي وحِّدوا.
وفيها أوَّل نَهْيٍ في القرآن: ﴿ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ نَهْيٌ عن الشِّرك.
يعني المنفرِد بتوحيد الرُّبوبيَّة يجب أن يُفرَد بتوحيد الألوهيَّة.