قال المصنِّف رحمه الله:
بَيَانُ اللهِ سُبْحَانَهُ لِلْأَوْلِيَاءِ، وَتَفْرِيقُهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُتَشَبِّهِينَ بِهِمْ مِنْ أَعْدَائِهِ الْمُنَافِقِينَ وَالْفُجَّارِ.
وَيَكْفِي فِي هَـٰذَا آيَةٌ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَآنَ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الْآيَة [31].
وَالْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ الْآيَة [54].
وَآيَةٌ فِي سُورَةِ يُونُسَ وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63)﴾.
ثُمَّ صَارَ الْأَمْرُ عِنْدَ أَكْثَرِ مَنْ يَدَّعِي الْعِلْمَ، وَأَنَّهُ مِنْ هُدَاةِ الْخَلْقِ، وَحُفَّاظِ الشَّرْعِ، إِلَى أَنَّ الْأَوْلِيَاءَ لَابُدَّ فِيهِم مِنْ تَرْكِ اتِّبَاعِ الرَّسُولِ، وَمَنْ اتَّبِعَهُ فَلَيْسَ مِنْهُمْ! وَلَابُدَّ مِنْ تَرْكِ الْجِهَادِ، فَمَنْ جَاهَدَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ! وَلَابُدَّ مِنْ تَرْكِ الْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى! فَمَنْ تَقَيَّدَ بِالإيْمَانِ وَالتَّقْوَى، فَلَيْسَ مِنْهُم! يَا رَبَّنَا نَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ.
كيفَ نعرِفُ أولياءَ اللهِ؟
| هم الَّذينَ آمنوا بالله، واتَّقَوهُ، واستَقاموا على دينِه، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63)﴾[يونس]. | دَعوى الوَلايةِ فيها تَزكِيةٌ للنَّفس، وهذا يُنافي تَقوى اللهِ عز وجل، قال تعالى: ﴿ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ (32)﴾[النَّجم]. |
ذكرَ الـمُصنِّفُ رحمه الله ثلاثَ آياتٍ:
| [1] ﴿لْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾[آل عمران: 31]. وهذه تُسمَّى آيةَ المِحنَةِ، قالَ الحَسَنُ البَصرِيُّ: كانَ ناسٌ على عَهْدِ رسولِ الله ﷺ يَقولونَ: يا رسولَ اللهِ؛ إنَّا نُحِبُّ ربَّنا ۵ حُبًّا شديدًا، فأحَبَّ اللهُ تعالى أنْ يجعلَ لحُبِّه عَلَمًا؛ فأنزلَ هذه الآيةَ. | [2] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾[المائدة:54]. وصفَهم اللهُ تعالى بأنَّهم: [1] أذِلَّةٌ على المُؤمِنين، فلا يُحارِبونَهم، ولا يَقِفونَ ضِدَّهم، ولا يُنابِذونَهم. [2] أعِزَّةٌ على الكافرينَ، أي: أقوِياءُ عليهم، غالِبونَ لهم. [3] يُجاهِدونَ لإعلاءِ كلمةِ اللهِ عز وجل. [4] لا يَخافونَ في اللهِ لَوْمَةَ لائِمٍ. | [3] ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63)﴾[يونس]. بيَّنَ عز وجل أنَّ أولياءَه همُ الَّذينَ اتَّصَفوا بالإيمانِ بقُلوبِهم، والتَّقوى بجَوارِحِهم. |
قالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ رحمه الله:
بيَّنَ سبحانه وتعالى في كِتابِه وسُنَّةِ رسولِه ﷺ أنَّ لله أولياءَ مِن النَّاسِ، وللشَّيطانِ أولياءَ، ففَرقٌ بينَ أولياءِ الرَّحمنِ وأولياءِ الشَّيطانِ:
| [1] أولياءُ اللهِ: قالَ فيهم: ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63)﴾[يونس]. | [2] أولياءُ الشَّيطانِ: قالَ فيهم: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ﴾ أي: الشَّيطانُ ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾[النَّحل]. |
قالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ رحمه الله:
قالَ غيرُ واحدٍ من الشُّيوخِ والعُلَماءِ: (لَو رأيتُمُ الرَّجُلَ يطيرُ في الهَواءِ، ويمشي على الماءِ؛ فلا تَغْتَرُّوا به حتَّى تَنظُروا وُقوفَهُ عندَ الأمرِ والنَّهيِّ).
| [1] السَّابِقونَ الـمُقرَّبونَ. | [2] أصحابُ اليَمين الـمُقتصِدونَ. |
ذَكرَهُما اللهُ عزوجل في عِدَّةِ مَواضِعَ مِن كتابِه العزيزِ: في أوَّلِ سورةِ الواقعَةِ، وآخرِها، وفي الإنسانِ، والمُطفِّفينَ، وفي سُورةِ فاطرٍ.
والجنَّةُ دَرَجاتٌ مُتَفاضِلَةٌ تَفاضُلًا عَظيمًا، وأولياءُ اللهِ المُؤمِنونَ المُتَّقونَ في تلك الدَّرجاتِ بحَسَبِ إيمانِهم وتَقواهُم.
أقسامُ النَّاسِ مع أولياءِ اللهِ عزوجل:
| [1] مُفرِطونَ: مَن إذا اعتقَدَ في شَخصٍ أنَّه وَلِيٌّ للهِ: وافقَهُ في كلِّ ما يَظُنُّ أنَّه حدَّثَ به قَلبُه عن رَبِّهِ، وسلَّمَ إليه جميعَ ما يفعلُه. | [2] مُفَرِّطونَ: مَن إذا رَآهُ قالَ أو فعلَ ما ليسَ بمُوافِقٍ للشَّرعِ: أخرجَهُ عن وَلايةِ اللهِ بالكُلِّيَّةِ، وإن كانَ مُجتهِدًا مُخطِئًا. | [3] وَسَطٌ: مَن لا يَجعلُهُ مَعصومًا، ولا مَأثومًا إذا كان مُجتَهِدًا مُخطِئًا، فلا يتَّبعُهُ في كلِّ ما يَقولُهُ، ولا يحكُمُ عليه بالكُفرِ والفِسقِ مع اجتهادِه. |
كَراماتُ أولياءِ اللهِ عزوجل:
| [1] ثابتةٌ: لهُمُ الكَراماتُ الَّتي يُكرِمُ اللهُ بِها أولِياءَهُ المُتَّقينَ، وخِيارُ أولياءِ الله كَرامَاتُهم لحُجَّةٍ في الدِّين، أو لحاجةٍ بالمُسلِمينَ. | [2] آيةٌ للرَّسول: فهي إنَّمَا حَصَلتْ ببركَةِ اتِّباع رَسولِ اللهِ ﷺ، فهي في الحقيقةِ تدخُلُ في آياتِ الرَّسولِ ﷺ. | [3] غيرُ لازمَةٍ للوليِّ: فالكَراماتُ قد تَكونُ بحَسَبِ حاجَةِ الرَّجُلِ، فإذا احتاجَ إليها لضَعفِ الإيمانِ أتاهُ منها ما يُقَوِّي إيمانَهُ ويَسُدُّ حاجَتَهُ، ويكونُ مَن هو أكمَلُ وَلايةً للهِ مِنهُ مُستَغْنِيًا عن ذلكَ فلا يأتيهِ مِثلُه، ولهذَا كانَتْ هذهِ الأمُورُ في التَّابِعينَ أكثَرَ مِنها في الصَّحابَةِ. |
هي: (مَا يأتِي على خِلافِ ما اعتادَهُ النَّاسُ؛ كأنْ يطيرَ في الهَواءِ، أو يَمشِيَ على الماءِ)، وهي أربعة أقسامٍ:
| [1] الآيةُ: تكونُ للأنبِياءِ، ولا يُقالُ مُعجزةٌ؛ لأنَّ هذا الَّذي ورَدَ في القُرآنِ، والمُعجِزَةُ قد يَعجَزُ عنها بعضُ النَّاسِ وتكونُ لغَيرِ الأنبياءِ، ولا يُمكنُ لأحدٍ ادِّعاءُ آيةٍ بعدَ مَوتِ النَّبيِّ ﷺ. | [2] الكرامةُ: تَكونُ لأولِياءِ الرَّحمَنِ، وهُمُ الَّذينَ جَمَعوا بينَ الإيمانِ والتَّقوَى، ومِثالُ الكَرامَةِ ما حصَلَ مع أصحابِ الكَهفِ. | [3] الـمُعجِزةُ أو الفِتنةُ: تَكونُ لأولِياءِ الشَّيطانِ، نَعرِفُها بمَعرِفَةِ حالِ الشَّخصِ، لا إيمانٌ ولا تقوًى، ومِثالُ المُعجِزَةِ ما يحصُلُ مِن الدَّجَّالِ. | [4] الفَضيحةُ: كُلُّ مَن كذَبَ على اللهِ فضَحَهُ في الدُّنيا قبلَ الآخِرَةِ، ومِثالُ الفَضيحَةِ ما حصَلَ مِن مُسَيلِمَةَ الكذَّابِ؛ نَفَثَ في عينِ مَريضٍ فعَمِيَ. |
أقسامُ النَّاسِ مع خَوارِقِ العاداتِ:
| [1] مُكَذِّبٌ: يُكذِّبُ بوُجودِ ذلِكَ لِغَيرِ الأنبياءِ، ورُبَّما صدَّقَ به مُجمَلًا، وكذَّبَ ما يُذكَرُ له عن كثيرٍ من النَّاسِ لكونِه عندَه ليسَ مِن الأولياءِ. | [2] غالي: يَظُنُّ أنَّ كلَّ مَن كانَ له نَوعٌ مِن خَرقِ العادةِ كانَ وَلِيًّا للهِ. | [3] وَسَطٌ: يُصدِّقُ أنَّ اللهَ يُعطي مَن شاءَ مِن عِبادِه ما شاءَ مِن كرامَةٍ في شَكْلِ خَوارِقَ للعادَةِ، ولكنْ ليسَ كلُّ خارقٍ كرامَةً، بلْ قد تجري الخَوارِقُ على أيدي السَّحَرَةِ والدَّجَلَةِ. |
مُختَصَرُ الفروقِ بينَ أولياءِ اللهِ وأولياءِ الشَّيطانِ مِن كِتابِ «الفُرقانِ بين أولياءِ الرَّحمنِ، وأولياءِ الشَّيطانِ» لشَيخِ الإسلامِ ابنِ تَيمِيَّةَ رحمه الله:
| أولياءُ اللهِ: | أولياءُ الشَّيطانِ: |
| يتَّبعونَ الكتابَ والسُّنَّةَ. يتَّصفونَ بالإيمانِ والتَّقوى (النَّاسُ مَعادِنُ، وتفاضُلُهم بالتَّقوى). يتَّبعُون النَّبيَّ ولا يخرُجُون عن شريعتِهِ. يحُثُّون النَّاس على: اتِّباع النَّبيِّ، وتَأدِيَةِ الفَرائِضِ، والدُّعاءِ. يعتقِدونَ أنَّ النَّبيَّ أفضلُ مِن الوَلِيِّ، وليسَ الوليُّ بمَعصومٍ بالإجماعِ. الإيمانُ والتَّقوى سببُ كراماتِهم (الجَزاءُ مِن جِنسِ العملِ). ينبغي أن يُحَبُّوا في الله، ويُوالَوْا فيه. يَخافونَ مِن النِّفاقِ، ولا ينخَدِعونَ بحالِهم. لا يَتميَّزونَ عن النَّاسِ، وتظهَرُ ليسَ عِندَهم إفراطٌ ولا تَفريطٌ. يتَّصفونَ بالإيمانِ ظاهِرًا وباطِنًا. من زعَمَ أنَّ مُحمَّدًا ﷺ عَلِمَ الظَّاهِرَ فقط لا الباطنَ؛ فهو كافرٌ! لا مَثيلَ لِوَلايَةِ مُحمَّدٍ ﷺ. يَحتَجُّونَ بالقَضاءِ والقَدَرِ على المَصائِبِ فقط؛ لا على المَعائِبِ. لا يُصِرُّونَ على الذَّنبِ، وهذا مِن عَلاماتِ مَحبَّةِ الله للعبدِ. أَماكِنُ العِبادَةِ عِندَهم هي المَساجِدُ. غايَةُ الكَرامَةِ عِندهم في لُزومِ الاستِقامَةِ. | يُخالفون الكتابَ والسُّنَّةَ. يتَّصفونَ بالكُفرِ، والفُجورِ، والكَهانَةِ، والسِّحرِ، والجُنونِ، والمُكاشَفاتِ. يُخالفون النَّبيَّ، ويخرُجون عن شريعتِهِ. يَحُثُّون النَّاس على اتِّباعهم، ولا يُؤَدُّون الفرائض، ولا يَدعونَ اللهَ. يعتقِدونَ أنَّ الوَلِيَّ أفضَلُ مِن النَّبيِّ، وأنَّه يُعصَمُ، وأنَّ له أن يُخالِفَ الإجماعَ. تكونُ لهم مُعجِزةٌ، أو فِتنَةٌ، أو فَضيحَةٌ، ولا يُمكِنُ أن يكونَ أحدٌ مِن الكُفَّارِ والمُنافِقِينَ ولِيًّا، ويَمدَحونَ الكُفَّارَ. يَنبغي أنْ يُبغَضوا في اللهِ. لا يَخافون مِن النِّفاقِ، ويَنخَدِعونَ بحالِهم. يتميَّزونَ عن النَّاسِ باللِّباسِ، والحِلاقَةِ، وغَيرِهما، ويُشابِهونَ الكُفَّارَ. ` عِندَهم إفراطٌ وتَفريطٌ. يُفرِّقُونَ بَينَ الإيمانِ الظَّاهِرِ والباطِنِ. يَعتقِدُ أتباعُهم أنَّهم يَعلَمونَ الباطِنَ. يَعتقِدُ أتباعُهم وِحدَةَ مَعدَنِ الأنبياءِ والأولِياءِ. أهلُ البَغيِ عِندَ الطَّاعَةِ قَدَرِيُّونَ، وعِندَ المَعصِيَةِ جَبرِيُّونَ. يَعتقِدونَ بالحُلولِ، ووِحدَةِ الوُجودِ. تتلبَّسُهم الشَّياطينُ؛ فيظنُّونَها مَلائِكَةً. يَعتقِدُ فيهم أتباعُهم خَصائِصَ النُّبُوَّةِ، وصِفاتِ المَلائِكَةِ. يتَّخِذونَ القُبورَ مَساجِدَ. يَفعلونَ ما يُقوِّي الأحوالَ الشَّيطانِيَّةَ مِن: السَّماعِ، والمُكاءِ، والتَّصدِيَةِ. |