قال المصنِّف رحمه الله:
بَيَانُ الْعِلْمِ وَالِعُلَمَاءِ، والْفِقْهِ وَالفُقَهَاءِ؛ وَبَيَانُ مَنْ تَشَبَّهَ بِهِمْ وَلَيْسَ مِنْهُمْ.
وَقَدْ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى هَـٰذَا الْأَصْلَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [الآية 40]، إِلَى قَوْلِهِ قَبْلَ ذِكْرِ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام: ﴿ا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الآيَة [122].
وَيَزِيدُهُ وُضُوحًا: مَا صَرَّحَتْ بِهِ السُّنَّةُ فِي هَـٰذَا مِنَ الْكَلَامِ الْكَثِيرِ الْبَيِّنِ الوَاضِحِ لِلْعَامِّيِّ البَلِيدِ.
ثُمَّ صَارَ هَـٰذَا أَغْرَبَ الْأَشْيَاءِ! وَصَارَ الْعِلْمُ وَالْفِقْهُ هُوَ الْبِدَعُ وَالضَّلَالَاتُ، وَخِيَارُ مَا عِنْدَهُم: لَبْسُ الْحَقِّ بِالبَاطِلِ! وَصَارَ العِلْمُ الَّذِي فَرَضَهُ اللهُ عَلَى الْخَلْقِ وَمَدَحَهُ لَا يَتَفَوَّهُ بِهِ إِلَّا زِنْدِيقٌ أَوْ مَجْنُونٌ! وَصَارَ مَنْ أَنْكَرَهُ وَعَادَاهُ وَجَدَّ فِي التَّحْذِيرِ مِنْهُ، وَالنَّهْيِ عَنْهُ، هُوَ الفَقِيهُ الْعَالِمُ!!
العِلمُ عِلمانِ:
| [1] عِلمُ الشَّرعِ وما تعلَّقَ به: | [2] عِلمُ الدُّنيا: كَعِلمِ الطِّبِّ، والهَندسَةِ، وغيرِها، ولَهُ أَحوالٌ: |
| وهو: (عِلمُ ما أنزلَ اللهُ على رَسولِه مِن البيِّناتِ والهُدَى). وهو الَّذِي فيه المَدحُ والثَّناءُ مُطلَقًا، وهو الأصْلُ في خِطابِ الكِتابِ والسُّنَّةِ. | [أ] إنْ كانَ وَسيلَةً إلى خَيْرٍ؛ فهو خَيْرٌ. [ب] وإنْ كانَ وَسيلَةً إلى شَرٍّ؛ فهو شَرٌّ. [ج] وإنْ لم يكُنْ وَسيلَةً لهذا وهذا؛ فهو ضَياعُ وَقتٍ ولَغْوٌ. |
بعضُ ما جاءَ في مَدحِ العِلمِ والثَّناءِ عليهِ:
| [1] قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾[الزُّمر]. | [2] قوله ﷺ: «إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ»، أخرجه أحمد وبعض أصحاب «السُّنن». | [3] قوله ﷺ: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»، مُتَّفقٌ عليه. |
مِن فَضائِلِ العِلمِ:
| [1] أنَّ اللهَ يَرفَعُ أهلَ العِلمِ في الدُّنيا بينَ عِبادِه بحَسَبِ ما قاموا به، وفي الآخِرَةِ برَفْعِ دَرَجاتِهم في الجَنَّةِ. | [2] أنَّه ممَّا يبقَى للإنسانِ بعدَ مَماتِه، «إِذَا مَاتَ الْعَبْدُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ...»، أخرجه مُسلمٌ. |
[3] أنَّه أُبيحَ فيهِ الحَسَدُ: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ حِكْمَةً فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا»، مُتَّفقٌ عليه.
| [4] أنَّه إرثُ النَّبيِّ ﷺ: «إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ». | [5] أنَّه نُورٌ يَستضيءُ به العَبدُ؛ فيَعرِفُ كيفَ يَعبُدُ ربَّه، وكيفَ يُعامِل غَيرَه. | [6] أنَّ العالِمَ نُورٌ يَهتَدي بهِ النَّاسُ في أُمورِ دِينِهم ودُنياهُم. |
الواجبُ علينا:
يجِبُ علينا مَعرِفَةُ من هم العُلَماءُ حقًّا، وهم الرَّبَّانِيُّونَ الَّذين يُرَبُّونَ النَّاسَ على شَريعَةِ رَبِّهم، ومِن أهمِّ علاماتِهم: الاحتِجاجُ بالكِتابِ والسُّنَّةِ، والسَّيْرُ على ما كانَ عليه السَّلفُ، والعملُ بالعِلمِ، وكثرةُ العِبادَةِ، وشَهادَةُ العُلَماءِ لهُم، وتَحذيرُهم مِن الشِّركِ والبِدَعِ.