الأصول الستة

الأصل الثَّاني

Study Duration
22 Min

قال المصنِّف رحمه الله

أَمَرَ اللهُ بِالاجْتِمَاعِ فِي الدِّينِ وَنَهَى عَنِ التَّفَرُّقِ فِيهِ.

فَبَيَّنَ اللهُ هَـٰذَا بَيَانًا شَافِيًا كَافِيًا تَفْهَمُهُ الْعَوَامُّ، وَنَهَانَا أَنْ نَكُونَ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا قَبْلَنَا فَهَلَكُوا، وَذَكَرَ أَنَّهُ أَمَرَ الْمُرْسَلِينَ بِالِاجْتِمَاعِ فِي الدِّينِ وَنَهَاهُمْ عَنِ التَّفَرُّقِ فِيهِ.

وَيَزِيدُهُ وُضُوحًا مَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ مِنَ الْعَجَبِ الْعُجَابِ فِي ذَلِكَ.

ثُمَّ صَارَ الْأَمْرُ إِلَى أَنَّ الافْتِرَاقَ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ هُوَ الْعِلْمُ وَالْفِقْهُ فِي الدِّينِ، وَصَارَ الْأَمْرُ بِالِاجْتِمَاعِ فِي الدِّينِ لَا يَقُولُهُ إِلَّا زِنْدِيقٌ أَوْ مَجْنُونٌ!

بعضُ ما جاءَ في الأمرِ بالاجتماعِ مِن القُرآنِ:

[1] ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا﴾[آل عمران: ١٠٣].[2] ﴿   وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
[آل عمران].
[3] ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ۚ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾[الأنعام:١٥٩].[4] ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ[الأنفال:٤٦].

بعضُ ما جاءَ في الأمرِ بالاجتماعِ مِن السُّنَّةِ:

[1] «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذِلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَهُنَا، التَّقْوَى هَهُنَا -وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ-، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ، وَعِرْضُهُ، وَمَالُهُ»، مُتَّفقٌ عليه.[2] «لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا»، مُتَّفقٌ عليه.[3] «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا»، مُتَّفقٌ عليه.

وفي مُقابلةِ هذا، نهى النَّبيُّ ﷺ عن كُلِّ ما يوجِبُ تفرُّقَ المُسلمينَ وتباعُدَهم، وحَثَّ على التَّآلُفِ والتَّحَابِّ بقَولِه وفِعلِه.

عمل الصَّحابة رضي الله عنهم:

وقعَ بينَهم رضي الله عنهم الاختِلافُ، ولكن لم يحصُلْ به التَّفرُّق، ولا العَداوةُ، ولا البَغضاءُ.

وَمِن أمثلةِ اختلافِهم على عَهدِ النَّبيِّ ﷺ لمَّا قالَ ﷺ عَقِبَ غَزوةِ الأحزابِ: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ»، مُتَّفقٌ عليه، فلمَّا خَشُوا خُروجَ الوقتِ قالَ بعضُهم: سَمِعْنا وأطَعْنا، وقال الآخَرونَ: نُصلِّي في الوقتِ؛ لأنَّ رسولَ الله ﷺ إنَّما أرادَ بذلكَ المُبادَرةَ والإسراعَ إلى الخُروجِ، ولم يُعنِّفْ بَعضُهم بَعضًا.

عمل السَّلف -رحمهم الله-:

مِن أُصولِ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ في المَسائلِ الخِلافيَّةِ أنَّ ما كانَ الخِلافُ فيه صادرًا عن اجتهادٍ، وكانَ ممَّا يَسوغُ فيه الاجتهادُ؛ فإنَّ بَعضَهم يَعذِرُ بعضًا بالخلافِ، ولا يحملُ بَعضُهم على بَعضٍ حِقدًا.

مِن مَظاهِرِ الاجتِماعِ في شَريعَةِ الإسلامِ:

نجتَمِعُ على عِبادَةِ رَبٍّ واحِدٍ.ونتَّبِعُ نبِيًّا واحِدًا.ونَعمَلُ بشَريعَةٍ واحِدَةٍ.قِبلَتُنَا واحِدَةٌ.لنا خَليفَةٌ واحِدٌ.
نَجتَمِعُ في كُلٍّ حَيٍّ خَمسَ مَرَّاتٍ للصَّلَواتِ المَفْروضَةِ.ويَجتَمِعُ أهلُ البلَدِ في كُلِّ جُمُعَةٍ.ونَجتَمِعُ في كُلِّ عيدِ فِطْرٍ، حتَّى النِّساءُ والصِّبيانُ دونَ اختِلاطٍ.ويَجتَمِعُ أهْلُ الأقطارِ في صَعيدِ عَرَفَةَ.

مُلاحظةٌ:

حديثُ «اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ» لا يثبُتُ؛ فلا يَصِحُّ الاحتجاجُ به، بلْ إذا كانَ الاختِلافُ رحمةً فماذا يَكونُ الاتِّفاقُ؟!

Text Lesson 4/8
You are viewing
الأصل الثَّاني