الأصول الستة

الأصل السَّادس

Study Duration
64 Min

قال المصنِّف رحمه الله:

رَدُّ الشُّبْهَةِ الَّتِي وَضَعَهَا الشَّيْطَانُ، فِي تَرْكِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّة، وَاتِّبَاعِ الْآرَاءِ وَالْأَهْوَاءِ الْمُتَفَرِّقَةِ الْمُخْتَلِفَةِ؛ وَهِيَ: أَنَّ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ لَا يَعْرِفُهُمَا إِلَّا الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ؛ وَالْمُجْتَهِدُ هُوَ: الْمَوْصُوفُ بِكَذَا وَكَذَا، أَوْصَافًا لَعَلَّهَا لَا تُوجَدُ تَامَّةً فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ!

فَإنْ لَمْ يَكُنِ الْإِنْسَانُ كَذَلِكَ فَلْيُعْرِضْ عَنْهُمَا فَرْضًا حَتْمًا لَاشَكَّ وَلَا إِشْكَالَ فِيهِ؛ وَمَنْ طَلَبَ الْهُدَى مِنْهُمَا فَهُو إِمَّا زِنْدِيقٌ أَوْ مَجْنُونٌ، لِأَجْلِ صُعُوبَةِ فَهْمِهُمَا!! فَسُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ: كَمْ بَيَّنَ اللهُ سُبْحَانَهُ شَرْعًا وَقَدَرًا، خَلْقًا وَأَمْرًا فِي رَدِّ هَـٰذِهِ الشُّبْهَةِ الْمَلْعُونَةِ مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى، بَلَغَتْ إِلَى حَدِّ الضَّرُورِيَّاتِ العَامَّة: ﴿ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾[الأعراف]، ﴿ﮅ  لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ (8) وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9) وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (10) إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ ۖ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11)﴾ [يس].

الاجتهاد:

[1] لغةً:
بذلُ الجُهدِ لإدراكِ أمرٍّ شاقٍّ.
[2] اصطلاحًا:
بذلُ الجُهدِ لإدراكِ حُكمٍ شَرعِيٍّ.

مِن شُروطِ الاجتِهادِ:

[1] أنْ يعلَمَ مِن الأدِلَّةِ الشَّرعيَّةِ ما يَحتاجُ إليه في اجتِهادِه؛ كآياتِ الأحكامِ وأحاديثِها.[2] أن يَعرِفَ ما يتعلَّقُ بصِحَّةِ الحَديثِ وضَعفِه؛ كمَعرِفَةِ الإسنادِ، ورِجالِهِ، وغيرِ ذلِكَ.[3] أن يَعرِفَ النَّاسِخَ والمَنسوخَ، ومَواقِعَ الإجماعِ، حتَّى لا يحكُمَ بمَنسوخٍ أو مُخالِفٍ للإجماع.[4] أن يَعرِفَ مِن الأدلَّةِ ما يختلِفُ به الحُكمُ؛ من تَخصيصٍ، أو تَقييدٍ، أو نحوه، حتَّى لا يَحكُمَ بما يُخالِفُ ذلكَ.[5] أن يَعرِفَ مِن اللُّغةِ وأصولِ الفِقهِ ما يتعلَّقُ بدَلالاتِ الألفاظِ؛ كالعامِّ والخاصِّ، ليحكُمَ بما تقتَضيهِ تلكَ الدَّلالاتُ.[6] أن يكونَ عندَه قُدرةٌ يتمكَّنُ بِها مِن استِنباطِ الأحكامِ مِن أدلَّتِها.

هل يتجَزَّأُ الاجتِهادُ؟

نعم، الاجتِهادُ يتجزَّأُ، فيَكونُ في بابٍ واحدٍ مِن أبوابِ العِلمِ، أو في مَسأَلَةٍ مِن مَسائِلِهِ.

يجبُ على الـمُجتَهِدِ أنْ يبذُلَ جُهْدَهُ، ثمَّ إنْ:

[1] ظَهرَ له الحُكمُ: حَكَمَ بهِ، فإنْ:
[أ] أصابَ: فلَهُ أَجْرانِ: أجرٌ على اجتِهادِه، وأجرٌ على إصابةِ الحَقِّ؛ لأنَّ في إصابةِ الحقِّ إظهارًا له وعَمَلًا بهِ.
[ب] وإنْ أخطَأَ:
فلَهُ أَجرٌ واحِدٌ، والخطأُ مَغفورٌ لَهُ.
[2] وإنْ لم يظهَرْ له الحُكمُ:
وجَبَ عليهِ التَّوقُّفُ، وجازَ التَّقليدُ حِينَئِذٍ للضَّرورَةِ.

التَّقليدُ لهُ مَوضِعان:

[1] أنْ يكونَ المُقلِّدُ عامِّيًّا لا يستَطيعُ مَعرِفَةَ الحُكْمِ بنَفسِه: ففَرضُهُ التَّقليدُ؛ لقولِه تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43)﴾[النَّحل].[2] أنْ يقَعَ للمُجتَهِدِ حادِثَةٌ تقتَضي الفَورِيَّةَ، ولا يتمكَّنَ مِنَ النَّظَرِ فيها؛ فيَجوزُ له التَّقليدُ حِينَئِذٍ.

التَّقليدُ نَوعانِ:

[1] العامُّ:
وهو أنْ يلتَزِمَ مَذهَبًا مُعيَّنًا يأخُذُ برُخَصِهِ وعَزائِمِهِ في جَميعِ أُمورِ دينِهِ، وقد اختلَفَ العُلَماءُ فيهِ، فمِنهم مَن حَكى تَحريمَهُ؛ لِمَا فيهِ مِنَ الِالتِزامِ الْمُطلَقِ لاتِّباعِ غَيرِ النَّبيِّ ﷺ.
[2] الخاصُّ:
أنْ يأخُذَ بقَولٍ مُعيَّنٍ في قضِيَّةٍ مُعيَّنَةٍ؛ فهذا جائِزٌ إذا عجَزَ عن مَعرِفَةِ الحقِّ، سَواءٌ:
[أ] عَجَزَ عَجزًا حَقيقِيًّا.
[ب] أو استَطاعَ ذلِكَ مع المَشقَّةِ العَظيمَةِ.

قال المصنِّف رحمه الله:

آخِرُهُ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

نسألُ اللهَ تعالى أنْ يُثيبَ المُؤلِّفَ أحسَنَ الثَّوابِ، وأن يجمَعَنا وإيَّاهُ في دارِ كَرامَتِهِ، إِنَّهُ جَوادٌ كَريمٌ، والحَمدُ لله ربِّ العالَمينَ، وصلَّى اللهُ وسلَّمَ على نبِيِّنا مُحمَّدٍ.

Text Lesson 8/8
You are viewing
الأصل السَّادس