الباب الثَّاني: بداية الوحي
لمَّا كَمُلَ له ﷺ أربعون سنةً أشرق عليه نور النُّبُوَّة، وأكرمه الله تعالى برسالته في يوم الاثنين.
نُبُوَّته ﷺ
قالت عائشة رضي الله عنها: «أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْح،ِ ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ -وَهُوَ التَّعَبُّدُ- اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي؛ فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي؛ فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي؛ فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴾[العلق]، فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رضي الله عنها فَقَالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ: لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ، وَكَانَ امْرَأً قَدْ تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ، فَيَكْتُبُ مِنْ الْإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَا ابْنَ عَمِّ؛ اسْمَعْ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا، ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ الْوَحْيُ، قَالَ ﷺ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَرُعِبْتُ مِنْهُ، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ﴾[المُدَّثِّر]، فَحَمِيَ الْوَحْيُ وَتَتَابَعَ».
مراتب الوحي
| [1] الرُّؤيا الصَّادقة | وكانت مبدأ وحيه ﷺ، قالت عائشة رضي الله عنها: «فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْح». |
| [2] الإلقاء في روعه | يلقيه الملك في روعه ﷺ وقلبه من غير أن يراه، قال ﷺ: «إنَّ الروحَ الأمينَ نفث في روعي وأخبرني أنَّهُ...». |
| [3] تمثُّل الملك | قال ﷺ: «ويَتَمَثَّلُ لي المَلَكُ أحْيَانًا رَجُلًا فيُكَلِّمُنِي، فأعِي ما يقولُ»، و في هذه المرتبة كان يراه الصَّحابة رضي الله عنهم أحيانًا. |
| [4] صلصلة الجرس | قال ﷺ: «أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ» ، وقالت عائشة رضي الله عنها: «رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ فِي اليَوْمِ الشَّدِيدِ البَرْدِ، فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا» ، بل إنَّ راحلته لتبرك به إلى الأرض إذا كان راكبها. |
| [5] الملك في صورته | يراه ﷺ في صورته الَّتي خُلق عليها، فيوحي إليه ما شاء الله أن يوحيه، و هذا وقع له مرَّتين كما ذكر الله في سورة النَّجم. |
| [6] وحيٌ من الله | وهو ما أوحاه الله إليه مباشرةً وهو فوق السَّموات السَّبع ليلة المعراج من فرض الصَّلاة وغير ذلك. |
| [7] كلام الله له | حيث كلَّمه الله تبارك و تعالى منه إليه بلا واسطة ملكٍ؛ كما كلَّم الله تعالى موسى عليه الصلاة و السلام. |
أوَّل ما نزل عليه ﷺ
نزل عليه الخمس آياتٍ الأولى من سورة العلق: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ﴾ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ . عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾
مراتب دعوته ﷺ
| [1] النُّبُوَّةُ |
| [2] إِنْذَارُ عَشِيرَتِهِ الْأَقْرَبِينَ. |
| [3] إِنْذَارُ قَوْمِهِ |
| [4] إِنْذَارُ قَوْمٍ مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِهِ وَهُمُ الْعَرَبُ قَاطِبَةً. |
| [5] إِنْذَارُ جَمِيعِ مَنْ بَلَغَتْهُ دَعْوَتُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ. |
مراحل دعوته ﷺ
[1] الدَّعوة السِّرِّيَّة: ودامت ثلاث سنين أوَّل البعثة.
[2] الدَّعوة الجهريَّة: لمَّا أُمر بذلك: ﴿ﭞ ﭟ ﭠ﴾[الحجر:٩٤].
أوَّل من آمن به ﷺ
من الرِّجال: أبو بكرٍ الصِّدِّيق.
من النِّساء: خديجة بنت خويلدٍ.
من الصِّبيان: عليُّ بن أبي طالبٍ.
من الموالي: زيد بن حارثة.
من العبيد: بلال بن رباحٍ الحبشيُّ.
بعض السَّابقين
من أوائل من آمن به ﷺ بعد من ذكرنا أهل بيته ﷺ ثمَّ عثمان بن عفَّان، وطلحة بن عبيد الله، والزُّبير بن العوَّام، وسعد بن أبي وقَّاصٍ، وعبد الرَّحمن بن عوفٍ، وخبَّاب بن الأرتِّ، وصهيبٌ الرُّوميُّ، وعمَّار بن ياسرٍ، وأمُّه سميَّة، وأبو عبيدة عامر بن الجرَّاح، وعثمان بن مظعونٍ، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وعتبة بن غزوان رضي الله عنهم أجمعين.