الباب الرَّابع: العهد المدنيُّ
الإذن في الهجرة
أَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ ﭫ فِي الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَخَرَجُوا أَرْسَالًا مُتَسَلِّلِينَ، أَوَّلُهُمْ فِيمَا قِيلَ: أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيُّ، وَقِيلَ: مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، فَقَدِمُوا عَلَى الْأَنْصَارِ فِي دُورِهِمْ، فَآوَوْهُمْ، وَنَصَرُوهُمْ، وَفَشَا الْإِسْلَامُ بِالْمَدِينَةِ.
ثُمَّ أُذِنَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْهِجْرَةِ، فَخَرَجَ مِنْ مَكَّةَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَلَهُ إِذْ ذَاكَ ثَلَاثٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، وَدَلِيلُهُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُرَيْقِطٍ اللَّيْثِيُّ، فَدَخَلَ غَارَ ثَوْرٍ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ، فَأَقَامَا فِيهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ سَلَكَا طَرِيقَ السَّاحِلِ.
دخوله ﷺ المدينة
لَمَّا انْتَهَى ﷺ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ -وَذَلِكَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ- نَزَلَ بِقُبَاءَ فِي أَعْلَى الْمَدِينَةِ عَلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَأَقَامَ عِنْدَهُمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
أوَّل مسجدٍ في الإسلام
وَأَسَّسَ ﷺ مَسْجِدَ قُبَاءٍ، قال ابن عمر رضي الله عنهما: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ كُلَّ سَبْتٍ، مَاشِيًا وَرَاكِبًا»، وقال ﷺ: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ كَعُمْرَةٍ».
بناء مسجد النَّبيِّ ﷺ
ثُمَّ رَكِبَ ﷺ نَاقَتَهُ وَسَارَ، وَجَعَلَ النَّاسُ يُكَلِّمُونَهُ فِي النُّزُولِ عَلَيْهِمْ وَيَأْخُذُونَ بِخِطَامِ النَّاقَةِ، فَيَقُولُ: «خَلُّوا سَبِيلَهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ»، فَبَرَكَتْ عِنْدَ مَسْجِدِهِ الْيَوْمَ، وَكَانَ مِرْبَدًا لِسَهْلٍ وَسُهَيْلٍ غُلَامَيْنِ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، فَنَزَلَ عَنْهَا عَلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه، ثُمَّ بَنَى ﷺ مَسْجِدَهُ مَوْضِعَ الْمِرْبَدِ بِيَدِهِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ رضي الله عنهم بِالْجَرِيدِ وَاللَّبِنِ، ثُمَّ بَنَى ﷺ مَسْكَنَهُ وَمَسَاكِنَ أَزْوَاجِهِ إِلَى جَنْبِهِ، وَأَقْرَبُهَا إِلَيْهِ مَسْكَنُ عَائِشَةَ ڤ، ثُمَّ تَحَوَّلَ ﷺ بَعْدَ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ دَارِ أَبِي أَيُّوبَ رضي الله عنه إِلَيْهَا.
المُؤاخاة
بعد أن بنى ﷺ المسجد آخى بين المهاجرين وكانوا تسعين رجلًا وبين الأنصار على المواساة، ويتوارثون بعد الموت إلى وقعة بدر.
اليهود
لمَّا قدم النَّبيُّ ﷺ المدينة ورآه اليهود علموا أنَّه رسول الله حقًّا وأنَّه الَّذي كانوا يجدونه مكتوبًا عندهم في التَّوراة، ومع ذلك لم يسلم منهم إلَّا نفرٌ قليلٌ منهم عالمهم وحَبرهم عبد الله بن سلَامٍ رضي الله عنه ، ووادع النَّبيُّ ﷺ قبائل اليهود وهم بنو قينُقاع وبنو النَّضير وبنو قُريظة.
تحويل القبلة
بعد فرض الصَّلاة في المعراج، كان ﷺ يصلِّي إلى بيت المقدس، وكان يودُّ أن تُحوَّل قبلته إلى الكعبة فَجَعَلَ يُقَلِّبُ وَجْهَهُ فِي السَّماء يرجو ذلك، فأنزل اللَّهُ عَلَيْهِ: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ ﴾[البقرة:١٤٤] في السَّنة الثَّانية للهجرة، فغيَّر ﷺ قبلته إلى الكعبة.
الإذن بالجهاد
بعد أن استقرَّ النَّبيُّ ﷺ في المدينة النَّبويَّة ومنعه الأنصار رضي الله عنهم نزل قول الله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴾ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ [الحج]، فأذن الله تعالى للمؤمنين بقتال المُشركين.
وكان من أوائل غزواته ﷺ غزوة الأبواء وبُواطٍ والعُشيرة وبعض السَّرايا.
غزوة بدرٍ
في رمضان من السَّنة الثَّانية خرج رسول الله ﷺ في ثلاث مائةٍ وبضعة عشر رجلًا من المؤمنين في طلب عير قريشٍ العائدة من الشَّام، فانحرف أبو سفيان عن الطَّريق بالعير وأغرى الشَّيطان قريشًا فخرجت لقتال المؤمنين، فالتقوا في بدرٍ وكانت غزوة بدرٍ الكبرى الَّتي سُمِّيت يوم الفرقان.
ولمَّا التقى الجيشان دعا رسول الله ﷺ ربَّه وتضرَّع إليه، فأيَّد الله المؤمنين بالملائكة يقاتلون معهم، ونصرهم الله تعالى على القوم الكافرين وأعلى كلمته، وقُتل في بدرٍ من المشركين سبعون رجلًا، واستُشهد من المؤمنين أربعة عشر رجلًا.
غزوة قينقاع
في السَّنة الثَّالثة من الهجرة نقض بنو قينقاع الصُّلح، فحاصرهم النَّبيُّ ﷺ خمس عشرة ليلةً ثمَّ نزلوا على حكمه فأطلقهم، وكانوا سبعمائة.
غزوة أُحُدٍ
وفي شوَّالٍ كانت غزوة أُحُدٍ، حيث خرجت قريشٌ لتثأر لقتلى بدرٍ في نحوٍ من ثلاثة آلاف رجلٍ، وأتوا المدينة، فخرج النَّبيُّ ﷺ في نحوٍ من سبع مائةٍ من أصحابه إلى أُحُدٍ، وانخذل عنه المنافقون.
وكانت الكرَّة أوَّل النَّهار للمسلمين، ثمَّ امتحن الله المسلمين وردَّ الكرَّة للمشركين حتَّى خلصوا إلى رسول الله ﷺ فجرحوه وكسروا رباعيته، وقاتل معه يومئذٍ الملائكة، واستُشهد سبعون من الصَّحابة رضي الله عنهم منهم حمزة بن عبد المُطَّلب ومُصعب بن عميرٍ وأنس بن النَّضر وحنظلة الغسيل وغيرهم.
وأبلى طلحة بن عبيد الله بلاءً حسنًا يومها حتَّى قال رسول الله ﷺ: «أَوْجَبَ طَلْحَةُ»، وانحاز رسول الله ﷺ والمسلمون إلى الجبل، وكفَّ الله أيدي المشركين عنهم.
وكان يوم أحدٍ يوم بلاءٍ وتمحيصٍ، امتحن الله فيه المؤمنين، وأظهر المنافقين، وأكرم من شاء بالشَّهادة.
وبعد الغزوة سمع ﷺ بخروج قريشٍ مرَّةً أخرى يريدون استئصال المسلمين، فخرج إليهم مع ما بالمؤمنين من قرحٍ، فلمَّا بلغ المسلمون حمراء الأسد بلغ ذلك قريشًا فانخذلوا ورجعوا إلى مكَّة.
السَّنة 4هـ
في السَّنة الرَّابعة كانت وقعة بئر معونة الَّتي قُتل فيها سبعون من قرَّاء الصَّحابة، وكانت غزوة بني النَّضير الَّذين حاصرهم النَّبيُّ ﷺ حتَّى قذف الله في قلوبهم الرُّعب، وأجلاهم النَّبيُّ ﷺ من المدينة، وفيهم نزلت سورة الحشر.
غزوة المُريسيع
في السَّنة الخامسة خرج النَّبيُّ ﷺ لقتال بني المُصطلق، ورجع ﷺ منتصرًا، وفي طريقه شُرع التَّيمُّم، ووقعت حادثة الإفك، حيث اتَّهم المُنافقون أمَّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها وهي الطَّاهرة المُطهَّرة، واشتدَّ ذلك عليها وعلى رسول الله ﷺ حتَّى أنزل الله براءتها في سورة النُّور، وجُلد القاذفون الحدَّ.
غزوة الأحزاب
وفي شوَّال من السَّنة الخامسة كانت غزوة الخندق (الأحزاب)، حيث تواطأ اليهود مع قريشٍ ومن حالفهم على قتال النَّبيِّ ﷺ وأصحابه، فاجتمع من قريش وبني سُليمٍ وبني أسدٍ وفزارة وأشجع وغيرهم عشرة آلافٍ وأتوا المدينة.
وأشار سلمان الفارسيُّ ﭬ على النَّبيِّ ﷺ ببناء خندقٍ يحميهم من الأحزاب، فخرج رسول الله ﷺ في ثلاثة آلافٍ وتحصَّن بجبل سلعٍ وجعل الخندق أمامه، واستأمن حُلفاءه بني قريظة إلَّا أنَّهم نقضوا العهد ووافقوا الأحزاب، فأرسل النَّبيُّ ﷺ نُعيم بن مسعودٍ ﭬ إليهم وإلى الأحزاب فاستعمل معهم الخدعة وأفسد بينهم، ثمَّ أرسل الله على الأحزاب جندًا من الرِّيح تُقوِّض خيامهم وتكفأ قدورهم، فزلزلتهم الرِّيح وألقت في قلوبهم الرُّعب وخذَّلتهم، فانصرفوا لم ينالوا كيدًا.
وخرج ﷺ إلى بني قريظة وحكَّم فيهم سعد بن معاذٍ رضي الله عنه.
وفي هذه الغزوة نزلت سورة الأحزاب.
صلح الحديبية
في السَّنة السَّادسة خرج النَّبيُّ ﷺ في ألفٍ وأربعمائةٍ من أصحابه يريد العمرة، فلمَّا بلغ الحديبية منعته قريشٌ من دخول مكَّة، وصالحهم على أن تضع الحرب أوزارها عشر سنين، فكان ذلك فتحًا للمؤمنين كما قال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾[الفتح].
وكان ممَّا حصل عليه الصُّلح أن تسمح قريشٌ للمؤمنين بدخول مكَّة في السَّنة التَّالية للعمرة، فكانت عمرة القضاء في ذي القعدة من السَّنة السَّابعة.
غزوة خيبر
بعد رجوعه ﷺ من الحديبية بعشرين يومًا خرج إلى خيبر شمال المدينة فحاصر اليهود قريبًا من عشرين ليلةً جهد المسلمون فيها جهدًا شديدًا، فلمَّا أيقن اليهود بالهلكة سألوه ﷺ الصُّلح فصالحهم على حقن دمائهم وخروجهم من خيبر بما عليهم من الثِّياب فقط، ثمَّ استعملهم على أرضهم على شطر ما يخرج منها.
قدوم جعفر
لمَّا كان ﷺ في خيبر قدم أبو هريرة ﭬ المدينة مسلمًا، وفيها كذلك قدم جعفر بن أبي طالبٍ ابن عمِّه ﷺ ومن بقي معه في الحبشة فوافوا رسول الله ﷺ في خيبر، وقدم معهم الأشعريُّون أبو موسى وأصحابه ﭫ.
غزوة مؤتة
في السَّنة الثَّامنة كانت غزوة مؤتة، وسببها أنَّ شرحبيل بن عمرٍو الغسَّانيَّ قتل رسول رسول الله ﷺ إلى ملك الرُّوم، فأرسل النَّبيُّ ﷺ ثلاثة آلافٍ من أصحابه وأمَّر عليهم حِبَّه زيد بن حارثة رضي الله عنه وقال: «إِنْ أُصِيبَ زَيْدٌ فَجَعْفَرُ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَى النَّاسِ، وَإِنْ أُصِيبَ جَعْفَرٌ فَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ»، فخرج إليهم هرقل ومن والاه من العرب في مائتي ألفٍ، فالتقوا في مؤتة وكانت الحرب، فاستُشهد أُمراؤه ﷺ، ثمَّ أخذ خالد بن الوليد رضي الله عنه الرَّاية فأحسن قيادة الجيش وانحاز بالمسلمين حتَّى خلَّصهم من عدوِّ الله وعدوِّهم.
فتح مكَّة الأعظم
في نفس السَّنة، عدت بنو بكرٍ وهم حُلفاء قريشٍ على خزاعة وهم حُلفاء النَّبيِّ ﷺ، وأعانتهم قريشٌ على ذلك خُفيةً، فلمَّا بلغ ذلك النَّبيَّ ﷺ عزم على فتح مكَّة، وقدم أبو سفيان المدينة ليكلِّمه ﷺ فلم يسمع منه، وكلَّم أبا بكرٍ وعمر وعليًّا أن يُكلِّموه ﷺ فأبوا عليه، ودعا ﷺ الله أن يعمِّي على قريشٍ فلا يعلموا بخروجه إليهم فاستجاب له، وخرج ﷺ في عشرة آلافٍ حتَّى دخل مكَّة.
وأسلم قُبيل الفتح عمُّ رسول الله ﷺ العبَّاس بن عبد المُطلِّب رضي الله عنه .
وكان ممَّا قاله ﷺ عند فتح مكَّة: «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ»، فلم يُقاتل ﷺ إلَّا من بادره بالقتال، إلَّا قلَّةً ممَّن آذاه ﷺ وآذى المسلمين أهدر دمهم.
ولمَّا دخل ﷺ مكَّة طاف بالبيت غير محرمٍ، ثمَّ دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة فكسر ﷺ ما فيها وما حولها من الأصنام، ثمَّ أرجع المفتاح إلى عثمان بن طلحة.
وأسلم بعد فتح مكَّة خلقٌ كثيرٌ، بل صارت القبائل تفد إلى النَّبيِّ ﷺ مسلمةً.
هدم الأصنام
بعد أن فتح الله على نبيِّه ﷺ مكَّة أرسل أصحابه لكسر ما حول مكَّة من الأصنام، فأرسل عمرو بن العاص ﭬ لهدم سُواع، وسعد بن زيدٍ ﭬ لهدم مناة، وخالد بن الوليد ﭬ لهدم العُزَّى، والطُّفيل ﭬ لهدم ذي الكفَّين، وأرسل عليًّا رضي الله عنه لهدم صنم طيءٍ.
غزوة حُنين
لمَّا سمعت هوازن بفتح مكَّة أجمعوا السَّير إلى رسول الله ﷺ، وساقوا معهم أموالهم ونساءهم وذراريهم، فخرج إليهم ﷺ في اثني عشر ألفًا وأعجبت المسلمين كثرتهم حتَّى أتوا وادي حُنينٍ، فشدَّت هوازن عليهم شدَّة رجلٍ واحدٍ حتَّى انشمر النَّاس عن النَّبيِّ ﷺ من شدَّة الفزع، وثبت معه ﷺ نفرٌ من المهاجرين وأهل بيته، ثمَّ ثبَّت الله الَّذين آمنوا فرجعوا إليه ﷺ وقاتلوا معه حتَّى نصرهم الله على عدوِّهم، وفرَّت هوازن إلى الطَّائف.
ثمَّ جاء أربعة عشر رجلًا من هوازن مسلمين إلى النَّبيِّ ﷺ فسألوه أن يمنَّ عليهم بالسَّبي ففعل وفعل النَّاس معه.
غزوة الطَّائف
بعد أن فرغ ﷺ من هوازن، عزم على غزو الطَّائف، فأتاها وحاصر الحصن ثمانية عشر يومًا، ثمَّ رجع ﷺ ولم يلق قتالًا.
غزوة تبوك
وفي سنة تسعٍ كانت غزوة تبوك (غزوة العُسرة)، وكانت في وقتٍ شديد الحرِّ وفي وقت الثِّمار والظِّلال، فكان الخروج إليها أشدَّ ما يكون على النَّاس، ولمَّا أراد ﷺ الخروج حضَّ النَّاس على النَّفقة فأنفق عثمان رضي الله عنه ثلاث مائة بعيرٍ بأحلاسها وأقتابها ومعها ألف دينارٍ، فقال ﷺ: «مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا فَعَلَ بَعْدَ الْيَوْمِ»، وأنفق الصَّحابة ما يقدرون عليه.
وتخلَّف عنه ﷺ عامَّة المُنافقين، وتخلَّف ثلاثةٌ من خيار أصحابه لغير عذرٍ هم كعب بن مالكٍ وهلال بن أميَّة ومرارة بن الرَّبيع رضي الله عنهم ، فاعتذروا إليه ﷺ لمَّا رجع المدينة، وفيهم نزلت آية التَّوبة: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ﴾[التَّوبة:١١٨]، فتاب الله عليهم لِما علم من صدقهم، وذمَّ الله المُنافقين في هذه السُّورة وختم عليهم، فسُمِّيت السُّورة بالفاضحة؛ لأنَّها فضحتهم.
وفي هذه الغزوة صالح النَّبيُّ ﷺ صاحب أيلة على الجزية، وكذا أهل جربا وأذرح، وكتب لهم كتابًا، وصالح أُكيدر دومة على الجزية كذلك، وأقام ﷺ بتبوك بضع عشرة ليلةً ثمَّ انصرف إلى المدينة ولم يلق قتالًا.
ولمَّا رجع إلى المدينة أمره الله تعالى بهدم مسجد الضِّرار الَّذي بناه المنافقون ﴿ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾[التَّوبة:107]، فهدمه ﷺ، وهذه آخر غزوةٍ غزاها ﷺ بنفسه.
الوفود
بعد غزوة تبوك أسلمت ثقيفٌ، وسُمِّيت سنة تسعٍ سنة الوُفود، فصارت القبائل تفد إلى النَّبيِّ ﷺ مسلمةً، ومنهم وفد بني تميمٍ وسيِّدهم عطارد بن حاجبٍ التَّميميُّ، ووفد طيءٍ وسيِّدهم زيد الخيل، ووفد عبد القيس وسيِّدهم الجارود العبديُّ، ووفد بني حنيفة وفيهم مسيلمة الكذَّاب الَّذي ادَّعى النُّبوَّة فيما بعد.
حجَّة أبي بكرٍ
وفي السَّنة التَّاسعة بعث النَّبيُّ ﷺ أبا بكرٍرضي الله عنه أميرًا على الحجِّ، فأقام الحجَّ للنَّاس، وبعث ﷺ عليًّا رضي الله عنه يقرأ مطلع سورة التَّوبة على النَّاس ونبذ إلى أهل الشِّرك عهودهم، وأذَّن في النَّاس أنَّه لا يحجُّ بعد هذا العام مشركٌ ولا يطوف بالبيت عريانٌ كما كان يفعل أهل الجاهليَّة.
حجَّة الوداع
وفي السَّنة العاشرة حجَّ رسول الله ﷺ حجَّة الوداع، وخرج معه المسلمون من شتَّى القبائل والبلدان حتَّى بلغوا أكثر من مائة ألفٍ، فعلَّمهم ﷺ مناسك الحجِّ، وخطبهم يوم عرفة وتلا قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ ﴾[المائدة:3]، فأخبرهم أنَّ الدِّين قد كمل، وأوصاهم بالتزام ما جاء في الكتاب والسُّنَّة وحرَّم دماءهم وأموالهم وأعراضهم على بعضهم، فكانت خطبة وداعٍ منه ﷺ.
بعث أسامة
وفي شهر صفر من السَّنة الحادية عشرة جهَّز ﷺ جيشًا لقتال الرُّوم، واستعمل عليه أسامة بن زيدٍ رضي الله عنه، فخرج وعسكر بالجرف ثمَّ بلغهم مرضه ﷺ.