07 ـ 09 الدروس المهمة (سورة التكاثر، العصر، الهمزة)
[تفسير سورة ألهاكم التَّكاثر وهي مكِّيَّةٌ]
بسم الله الرحمان الرحيم
﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴾.
(1) يقول تعالى موبِّخًا عباده عن اشتغالهم عمَّا خُلِقوا له من عبادته وحده ِ لا
شريك له ومعرفته والإنابة إليه وتقديم محبَّته على كلِّ شيءٍ: ﴿أَلْهَاكُمُ﴾ عن ذلك المذكور ﴿التَّكَاثُرُ﴾ ولم يذكر الـمُتَكاثَرَ به؛ ليشمل ذلك كلَّ ما يَتَكاثَرُ به المتكاثرون ويفتخر به المفتخرون من التَّكاثر في الأموال والأولاد والأنصار والـجُنود والخدم والجاه وغير ذلك مـمَّا يُقصد منه مكاثرة كلِّ واحدٍ للآخر، وليس المقصود منه وجه الله.
(2) فاستمرَّت غفلتكم ولهوتكم وتشاغلكم ﴿ حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ فانكشف حينئذٍ لكم الغطاءُ، ولكنْ بعدَما تعذَّر عليكم استئنافه، ودلَّ قولُه: ﴿ حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ أنَّ البرزخ دارٌ المقصود منها النُّفوذ إلى الدَّار الآخرة؛ لأنَّ الله سمَّاهم زائرين ولم يسمِّهم مقيمين، فدلَّ ذلك على البعث والجزاء على الأعمال في دارٍ باقيةٍ غير فانيةٍ.
(3-6) ولهذا توعَّدهم: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ﴾ أي: لو تعلمون ما أمامكم علمًا يصلُ إلى القلوب لما ألهاكم التَّكاثر، ولبادرتم إلى الأعمال الصَّالحة، ولكن عدم العلم الحقيقيِّ صيَّركم إلى ما ترون، ﴿ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ أي: لَتَرَِوُنَّ القيامة، فلَتَرَوُنَّ الجحيم الَّتي أعدَّها الله للكافرين.
(7) ﴿ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ﴾ أي: رؤيةً بصريَّةً؛ كما قال تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا ﴾.
(8) ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ الَّذي تنعَّمتم به في دار الدُّنيا؛ هل قمتم بشكره، وأدَّيتم حقَّ الله فيه، ولم تستعينوا به على معاصيه؛ فينعِّمكم
نعيمًا أعلى منه وأفضل؟ أم اغتررتُم به، ولم تقوموا بشكره، بل ربَّما استعنتم به على المعاصي؛ فيعاقبكم على ذلك؟ قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ...﴾ الآية.
[تفسير سورة والعصر وهي مكِّيَّةٌ]
بسم الله الرحمان الرحيم
﴿ وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾.
(1-3) أقسم تعالى بالعصر الَّذي هو اللَّيل والنَّهار، محلُّ أفعال العباد وأعمالهم؛ أنَّ كلَّ إنسانٍ خاسرٌ، والخاسر ضدُّ الرَّابح، والخسار مراتبُ
متعدِّدةٌ متفاوتةٌ: قد يكون خسارًا مطلقًا كحال من خسر الدُّنيا والآخرة وفاته النعيم واستحقَّ الجحيم، وقد يكون خاسرًا من بعض الوجوه دون بعضٍ، ولهذا عمَّم اللهُ الخسار لكلِّ إنسانٍ إلاَّ مَن اتَّصف بأربع صفاتٍ:
- الإيمان بما أمر اللَّه بالإيمان به، ولا يكون الإيمان بدون العلم؛ فهو فرعٌ عنه لا يتمُّ إلَّا به.
- والعمل الصَّالح، وهذا شاملٌ لأفعال الخير كلِّها الظَّاهرة والباطنة، المتعلِّقة بحقوق الله وحقوق عباده، الواجبة والمستحبَّة.
- والتَّواصي بالحقِّ الَّذي هو الإيمان والعمل الصَّالح؛ أي: يوصي بعضُهم بعضًا بذلك ويحثُّه عليه ويرغِّبه فيه.
- والتَّواصي بالصَّبر على طاعة الله، وعن معصية الله، وعلى أقدار الله المؤلمة، فبالأمرين الأوَّلين يكمِّل العبد نفسه، وبالأمرين الأخيرين يكمِّل غيره، وبتكميل الأمور الأربعة يكون العبد قد سلم من الخسار وفاز بالرِّبح العظيم.
[تفسير سورة الهمزة وهي مكِّيَّةٌ]
بسم الله الرحمان الرحيم
﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ كَلَّا ۖ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ ﴾.
(1) ﴿ وَيْلٌ﴾ أي: وعيدٌ ووبالٌ وشدَّة عذابٍ، ﴿ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ أي الَّذي يهمز النَّاس بفعله ويلمزهم بقوله؛ فالهمَّاز: الَّذي يَعيبُ النَّاس ويطعَنُ عليهم بالإشارة والفعل، واللَّمَّاز: الَّذي يعيبهم بقوله.
(2) ومن صفة هذا الهمَّازِ اللَّمَّاز أنَّه لا همَّ له سوى جمع المال وتعديده والغبطة به، وليس له رغبةٌ في إنفاقه في طرق الخيرات وصلة الأرحام ونحوذلك.
(3) ﴿ يَحْسَبُ﴾ بجهله ﴿ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ في الدُّنيا، فلذلك كان كدُّه وسعيه كلُّه في تنمية ماله، الَّذي يظنُّ أنَّه ينمِّي عمره، ولم يدر أنَّ البخل يقصف الأعمار ويخرِّب الدِّيار، وأنَّ البرَّ يزيد في العمر.
(4-7) ﴿ كَلَّا ۖ لَيُنْبَذَنَّ﴾ أي: ليطرحنَّ ﴿ فِي الْحُطَمَةِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾: تعظيمٌ لها وتهويلٌ لشأنها، ثمَّ فسَّرها بقوله: ﴿ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾ الَّتي وقودها النَّاس والحجارة، ﴿ الَّتِي﴾ من شدَّتها ﴿ تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ ﴾ أي: تنفذ من الأجسام إلى القلوب.
(8) ومع هذه الحرارة البليغة، هم محبوسون فيها، قد أيسوا من الخروج منها، ولهذا قال: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ أي: مغلقةٌ، ﴿فِي عَمَدٍ﴾ من خلف الأبواب، ﴿ مُمَدَّدَةٍ﴾ لئلَّا يخرجوا منها؛ ﴿كلَّما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها﴾، نعوذ بالله من ذلك، ونسأله العفو والعافية.