يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَمُقَدِّمَاتُهُ
يومُ القيامةِ هو اليومُ العظيمُ الَّذي يُقيمُ اللهُ فيه الخلقَ لربِّ العالمين، ويُحاسَبُ فيه العبادُ على أعمالهم، ويظهر فيه تمامُ العدل الإلهيِّ، وتُجزى كلُّ نفسٍ بما كسبت، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ.
ويُسمَّى في اللُّغةِ يومَ القيامة من القيام، وهو النُّهوض والارتفاع، وذلك لقيام النَّاس من قبورهم لربِّ العالمين؛ كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٦﴾[المُطفِّفين]، وأمَّا في الاصطلاح الشَّرعيِّ، فهو: اليومُ الَّذي يُبعَثُ فيه الخلقُ بعد الموت، ويُحشَرون للحساب والجزاءِ، وتُقامُ فيه موازين العدل، ويصير النَّاس إلى الجنَّة أو النَّار بحسب إيمانهم وما لهم من الحسنات والسَّيِّئات.
وقد أخبر الله تعالى ورسولُه ﷺ عن هذا اليوم، وما يسبقه من الأحداث والآيات، رحمةً بالعباد، وإنذارًا لهم، وتنبيهًا للغافلين؛ فذكر أشراطَ السَّاعة وعلاماتها الَّتي تدلُّ على قُرب وقوعِها.
والأشراط جمع شَرَطٍ، وهو في اللُّغة: العلامة، ومنه قولهم: أشرطَ الشَّيءَ إذا جعله ذا علامةٍ، والأمارات جمع أمارةٍ، وهي في اللُّغة: ما يُستَدلُّ به على غيره، وتُطلق الأشراط والأمارات في الاصطلاح الشَّرعيِّ على: العلامات الَّتي تظهر قبل قيام السَّاعة، وتدلُّ على قُربها، وتكون آياتٍ تنبيهيَّةً على دُنُوِّ نهاية الدُّنيا.
وأشراطُ السَّاعة من أمور الغيب الَّتي لا سبيل إلى معرفتها بالعقل أو التَّجربة، وإنَّما يُتلقَّى العلم بها من الوحي؛ كتابِ الله تعالى وسُنَّة نبيِّه ﷺ، قال تعالى: ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَىٰهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلَّا هُوَ ۚ ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ۗ يَسْـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ١٨٧﴾[الأعراف]، وقال: ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَىٰهَا ٤٢ فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَىٰهَآ ٤٣ إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَىٰهَآ ٤٤ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَىٰهَا ٤٥ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوٓا۟ إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَىٰهَا ٤٦﴾[النَّازعات]، فالعلم بوقت حدوثها، وبتفاصيل علاماتها مرَدُّه إلى النُّصوص الصَّحيحة، لا إلى الظُّنون والتَّخمينات.
أقسام أشراط السَّاعة باعتبار قُربها من القيامة وعِظَم شأنِها:
القسم الأوَّل: الأشراط الصُّغرى
وهي العلامات الَّتي تتقدَّم قيام السَّاعة بزمنٍ طويلٍ، وقد وقع كثيرٌ منها، ولا يزال بعضها يتجدَّد ويتكرَّر، وغالبها من الأمور المُعتادة الَّتي يألفها النَّاس، لكنَّها إذا اجتمعت دلَّت على فساد الزَّمان وقُرب نهاية الدُّنيا، ومن أمثلتها: قبضُ العلم، وظهورُ الجهل، وكثرة الفتن، وشربُ الخمر، وانتشارُ المعازف، والتَّطاولُ في البُنيان، وغير ذلك ممَّا صحَّ به الخبر في النُّصوص الشَّرعيَّة.
القسم الثَّاني: الأشراط الكبرى
هي الأمور العِظام، والآيات الجِسام، الَّتي تظهر قُبيل قيام السَّاعة، وهي غير مُعتادة الوقوع، وإذا ظهرت تتابعت، ودلَّت دلالةً قاطعةً على قُرب انقضاء الدُّنيا وانتهاء زمن التَّكليف، ولم يَرِد في نصٍّ صحيحٍ تحديدُ عددها على وجه الجزم، ولا ترتيبُها ترتيبًا صريحًا لا خلاف فيه، إلَّا أنَّ النُّصوص دلَّت على عِظم شأنها وخطرها، وأنَّها إذا بدأت لم يُمهَل النَّاس بعدها إلَّا قليلًا.
سَبَبُ دِرَاسَةِ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ:
تصديق ما أخبر الله به ورسوله ﷺ من الغيب.
تحقيق ركن الإيمان باليوم الآخر.
أنَّ هذه الأشراط من دلائل نُبُوَّة النَّبيِّ ﷺ.
إرشادُ المُوحِّد عند الفتن والنَّوازل المُدلهمَّة.
حمل النُّفوس على الاستعداد للقاء الله عز وجل.
الزَّجر عن الاغترار بالدُّنيا وطول الأمل.