أَهْوَالُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ
قيامُ القيامة أمرٌ عظيمٌ، ومن أعظم أهواله تغيُّر الكون العُلويِّ والسُّفليِّ؛ فالسَّماء والأرض وما فيهما من شمسٍ وقمرٍ ونجومٍ وجبالٍ وبحارٍ تتحوَّل تحوُّلاتٍ هائلةً، تكفي وحدها للعظة، فكيف بما بعدها من العرض والحساب؟!
تغيُّراتُ السَّماء يومَ القيامة:
[١] الانشقاق والانفطار والصَّدع:
﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ ١﴾[الانفطار]، ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ ١﴾[الانشقاق].
[٢] التَّحوُّل إلى أبواب:
أي: طُرُقًا ومسالك لنزول الملائكة، ﴿وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ أَبْوَٰبًا ١٩﴾[النَّبأ].
[٣] تغيُّر اللَّون والرِّقَّة والهشاشة:
﴿فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدِّهَانِ ٣٧﴾[الرحمن]، وعن ابن مسعودٍ رضي الله عنه: «تكونُ ألوانًا كالمُهلِ، وكالدِّهانِ، وواهِيَةً، وتَشَقَّق».
[٤] إزالتُها من مكانِها:
﴿وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ كُشِطَتْ ١١﴾[التَّكوير].
[٥] الطَّيُّ:
﴿يَوْمَ نَطْوِى ٱلسَّمَآءَ كَطَىِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾[الأنبياء:١٠٤]، ﴿وَٱلسَّمَـٰوَٰتُ مَطْوِيَّـٰتٌۢ بِيَمِينِهِۦ﴾[الزمر:٦٩].
قال ﷺ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ رَأْيُ عَيْنٍ فَلْيَقْرَأْ: ﴿إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ ١﴾، و﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ ١﴾، و﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ ١﴾» رواه التِّرمذيُّ وأحمد، وصحَّحه الألبانيُّ.
في «الصَّحيحين»: «يَقْبِضُ اللهُ الْأَرْضَ، وَيَطْوِي السَّمَاوَاتِ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟»، ومعناه: ظهور سلطان الله عز وجل وحده، وزوال سلطان المخلوقين، ﴿لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ ١٦﴾[غافر].
تغيُّراتُ الكَواكِبِ يومَ القيامة:
[١] الشَّمسُ:
تُلفُّ، ويذهب ضوؤها، ﴿إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ ١﴾[التكوير]، «الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ مُكَوَّرَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رواه البخاريُّ.
[٢] القمرُ:
يُكوَّر، ويذهب نوره، ويُجمع إلى الشَّمس، ﴿وَخَسَفَ ٱلْقَمَرُ ٨ وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ ٩﴾[القيامة].
[٣] الكواكِبُ والنُّجومُ:
تُظلم النُّجوم، وتتناثر، ﴿وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ ٢﴾[التكوير]، ﴿وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ ٢﴾[الانفطار].
قال النَّبيُّ ﷺ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ثَوْرَانِ عَقِيرَانِ فِي النَّارِ» أخرجه أبو يعلى والطَّيالسيُّ، وصحَّحه الألبانيُّ، ليس عقوبةً لهما؛ لأنَّهما غير مُكلَّفين، ولكن تبكيتًا وخزيًا لعُبَّادهما.
تغيُّراتُ الأرضِ وما فيها يومَ القيامة:
[١] الأرضُ:
تُزلزل، وتُدكُّ، وتُسوَّى، فتصير مُستويةً بعد أن كانت ذات جبالٍ وبُنيانٍ، ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلْأَرْضُ﴾[الزلزلة:١]، ﴿وَإِذَا ٱلْأَرْضُ مُدَّتْ ٣﴾[الانشقاق]، ﴿كَلَّآ إِذَا دُكَّتِ ٱلْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ٢١﴾[الفجر].
[٢] الجبالُ:
تسير، وتتفتَّت، ثمَّ تُنسف حتَّى لا يبقى منها شيءٌ، ويصير مكانُها قاعًا صفصفًا، ﴿وَإِذَا ٱلْجِبَالُ سُيِّرَتْ ٣﴾[التكوير]، ﴿وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ ٥﴾[القارعة]، ﴿وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلًا﴾[المُزَّمِّل]، ﴿يَنسِفُهَا رَبِّى نَسْفًا ١٠٥ فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا ١٠٦﴾[طه].
[٣] البِحارُ:
تُفجَّر، ويختلط بعضها ببعضٍ، ثمَّ تشتعل نارًا، ﴿وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجِّرَتْ ٣﴾[الانفطار]، ﴿وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجِّرَتْ ٦﴾[التكوير].
وهذه التَّغيُّرات تكون بعد قيام السَّاعة، بعد نفخة الصَّعق، وتستمرُّ إلى أن يدخل أهلُ الجنَّةِ الجنَّةَ، وأهلُ النَّارِ النَّارَ -أعاذنا الله منها-، ثمَّ تستقرُّ الأمور، وهي تغيُّراتٌ مُتواليةٌ، وأشياءُ هائلةٌ، فالشَّمس والقمر مع عظمهما ونورهما يعتريهما من التَّغيُّرات العظيمة، قال تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ ٱلْبَصَرُ ٧﴾ من هول المشهد، ﴿وَخَسَفَ ٱلْقَمَرُ ٨﴾ فذهب ضوؤُه وسلطانه، ﴿وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ ٩﴾، علمتِ النُّفوسُ أنَّ هذا وعدُ الله الحقُّ، وأنَّها مُقبلةٌ على ربٍّ لا تخفى عليه خافيةٌ.
وحينئذٍ يصرُخ الإنسانُ مذعورًا: ﴿أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ ١٠﴾، فيأتيه الجواب الَّذي يقطع كلَّ أملٍ في الهروب: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ ١١﴾؛ لا حصنَ يُعتصَم به، ولا جبلَ يُلاذ به، ولا جاهَ ولا مالَ ولا ولدَ ينفعُ، ﴿إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمُسْتَقَرُّ ١٢﴾، هناك تنكشف الحقائق، وتسقط الأقنعة، وتضمحلُّ زخارف الدُّنيا، ويظهر للعبد كم كان غافلًا حين كان يُؤخِّر التَّوبة، ويُؤمِّل طول البقاء، ويظنُّ أنَّ الأمر يهونُ!
فيا عبدَ الله: إنَّ الَّذي يُقَلِّبُ الشَّمسَ والقمرَ ويُغيِّرُ نظامَ السَّماء والأرض، قادرٌ على أن يَسوقَك إلى موقفٍ لا تملك فيه إلَّا عملك، فماذا أعددتَ ليومٍ تُطوى فيه الصُّحفُ وتُنشر، وتُعرض فيه الأعمالُ على العليم الخبير؟! ماذا صنعتَ لساعةٍ يُقال فيها: ﴿ٱقْرَأْ كِتَـٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ١٤﴾[الإسراء].
فبادر إلى التَّوبة النَّصوح، وأحسِن فيما بقي يُغفَر لك ما مضى، واعلم أنَّ الدُّنيا مهما طالت قصيرةٌ، وأنَّ العمر مهما امتدَّ مَحدودٌ، وأنَّ الفائز من اتَّعظ قبل الصَّعقة، واستعدَّ قبل الفزع، ولزم بابَ ربِّه ذليلًا مُنكسرًا؛ فمن كان مع الله كان الله معه، ومن فرَّ إلى الله آواه اللهُ، ومن أصلح سريرَته أصلح اللهُ علانيته، ومن صدق في رجوعه بدَّل الله سيِّئاته حسَناتٍ.
اللَّهمَّ اجعلنا ممَّن إذا ذُكِّر تذكَّر، وإذا وُعِظ اتَّعظ، ولا تجعلنا من الغافلين.