المَحطَّة الثَّامنة: تطايُرُ الصُّحُفِ
تقدَّم بيان العرض والحساب، وأنَّ الإنسان يُؤتى صحائف أعماله الَّتي عملها في الدُّنيا، تلك الصَّحائف الَّتي دوَّنتها الملائكة الحفظة عليه، فتتطاير الصُّحف إلى الأيمان والشَّمائل، وهذا ثابتٌ بالكتاب، والسُّنَّة، وإجماع الأمَّة.
وهو أحد المواقف الثَّلاثة الشَّديدة الَّتي لا يذكر الإنسان فيها إلَّا نفسه، فقد أخرج أبو داود عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا ذَكَرَتِ النَّارَ فَبَكَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا يُبْكِيكِ؟»، قَالَتْ: ذَكَرْتُ النَّارَ فَبَكَيْتُ، فَهَلْ تَذْكُرُونَ أَهْلِيكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَمَّا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ فَلاَ يَذْكُرُ أَحَدٌ أَحَدًا، عِنْدَ الْمِيزَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَخِفُّ مِيزَانُهُ أَوْ يَثْقُلُ، وَعِنْدَ الْكِتَابِ حِينَ يُقَالُ: ﴿هَآؤُمُ ٱقْرَءُوا۟ كِتَـٰبِيَهْ ١٩﴾[الحاقَّة] حَتَّى يَعْلَمَ أَيْنَ يَقَعُ كِتَابُهُ أَفِي يَمِينِهِ، أَمْ فِي شِمَالِهِ، أَمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، وَعِنْدَ الصِّرَاطِ إِذَا وُضِعَ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ».
أقسامُ النَّاس في أخذِ الكِتابِ:
[١] المؤمنُ:
يأخذ كتابه بيمينه، ﴿فَمَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَـٰبَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ٧١﴾[الإسراء]، فيقرأ المُؤمن كتابه، ويسرُّه ما فيه، ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَءُوا۟ كِتَـٰبِيَهْ ١٩ إِنِّى ظَنَنتُ أَنِّى مُلَـٰقٍ حِسَابِيَهْ ٢٠﴾[الحاقَّة]، ويكون حسابه يسيرًا ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ ٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ وَيَنقَلِبُ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ مَسْرُورًا ٩﴾[الانشقاق].
[٣] الكافرُ والمُنافقُ:
يأخذ كتابه بشماله من وراء ظهره إذلالًا له، فيشُقُّ عليه ما يجد فيه، ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُۥ بِشِمَالِهِۦ فَيَقُولُ يَـٰلَيْتَنِى لَمْ أُوتَ كِتَـٰبِيَهْ ٢٥ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ ٢٦ يَـٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ ٢٧ مَآ أَغْنَىٰ عَنِّى مَالِيَهْ ۜ ٢٨ هَلَكَ عَنِّى سُلْطَـٰنِيَهْ ٢٩﴾[الحاقَّة]، وينادي على نفسه بالهلاك، بأن يقول: واثُبوراهُ، واوَيلاهُ، ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُۥ وَرَآءَ ظَهْرِهِۦ ١٠ فَسَوْفَ يَدْعُوا۟ ثُبُورًا ١١ وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا ١٢﴾[الانشقاق].