المَحطَّة السَّابعة: العَرضُ والحسابُ
الحسابُ هو إطلاع الله عباده على أعمالهم، وهو ثابتٌ بالكتاب، والسُّنَّة، وإجماع المسلمين، قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ ٢٥ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم ٢٦﴾[الغاشية]، وأخرج أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ: «اللَّهُمَّ حَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا»، فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، مَا الْحِسَابُ الْيَسِيرُ؟ قَالَ: «أَنْ يَنْظُرَ فِي كِتَابِهِ فَيَتَجَاوَزَ عَنْهُ، إِنَّهُ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَوْمَئِذٍ يَا عَائِشَةُ هَلَكَ».
فأمَّا المؤمن فإنَّ الله عز وجل يخلو به فيُقرِّره بذنوبه، قال ﷺ في الحديث المُتَّفق عليه: «إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ، فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ، فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ، وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ، قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ».
«وَأَمَّا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيُنَادَى بِهِمْ عَلَى رُؤُوسِ الْخَلَائِقِ: ﴿هَـٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ أَلَا لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ ١٨﴾[هود]».
والحساب عامٌّ لجميع النَّاس، إلَّا من استثناهم النَّبيُّ ﷺ، وهم سبعون ألفًا من هذه الأمَّة، منهم عكَّاشة بن مِحصَنٍ رضي الله عنه، فهؤلاء يدخلون الجنَّة بلا حسابٍ ولا عذابٍ، وهم: «الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» مُتَّفقٌ عليه، وعند أحمد: «مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا».
وأوَّل من يُحاسب هم هذه الأمَّة، ففي حديث مسلمٍ: «نَحْنُ الْآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَالْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الْمَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الْخَلَائِقِ»، وأوَّل شيءٍ يُحاسَب عليه المُؤمن من الأعمال الصَّلاة، فقد جاء عند بعض أصحاب «السُّنن»: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ النَّاسُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الصَّلَاةُ».