المَحَطَّةُ الأولى: الْمَوْتُ
الموتُ حقٌّ ثابتٌ ويقينٌ محتومٌ، كتبه اللهُ تعالى على جميع الخلائق، لا ينجو منه نبيٌّ ولا وليٌّ، ولا يتقدَّم عنه أحدٌ ولا يتأخَّر، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ﴾[الأنبياء:٣٥]، وقال سبحانه: ﴿وَجَآءَتْ سَكْرَةُ ٱلْمَوْتِ بِٱلْحَقِّ﴾[يس:١٩]، فسمَّاه حقًّا ويقينًا لا مِرية فيه، ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ ٩٩﴾[الحجر]، وقد أجمع المُفسِّرون من السَّلف على أنَّ المُراد باليقين هنا: الموت؛ لما فيه من انقطاع الشَّكِّ، وابتداء الانتقال من دار العمل إلى دار الجزاء، فالموتُ عند أهل السُّنَّة ليس فناءً ولا عدمًا؛ بل انتقالٌ من مرحلةٍ إلى مرحلةٍ، وبدايةٌ للجزاءِ والابتلاء في البرزخ.
ثمَّ إنَّ ذكرَ الموتِ والتَّهيُّؤَ له من أعظم أسباب صلاح القلوب واستقامة الأعمال، وقد حثَّ النَّبيُّ ﷺ على الإكثار من ذكره، فقال في الحديث الَّذي أخرجه بعض أصحاب «السُّنن»: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ»، أي: الموت؛ لأنَّه يقطعُ التَّعلُّق بالدُّنيا، ويُذكِّر بقِصَر الأمل، ويبعث على المُبادرة بالتَّوبة، والاستعداد للقاء الله، ومن هنا كان الموتُ في معتقد أهل السُّنَّة بابَ عبورٍ إلى الآخرة، وعلامةَ صدقٍ في الامتحان، يُكرم اللهُ به المؤمنَ الرَّاجي، ويكون على الكافر نذيرَ خسارةٍ وندمٍ، ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ ٩٩﴾[المؤمنون]، ولا رجوع بعد اليقين.