المَحطَّة الخامسة: الحَوضُ
إذا جُمِع النَّاس في عرصات يوم القيامة، وأصابتهم الشِّدَّة والكرب، ودنت الشَّمس حتَّى تكون على قدر ميلٍ منهم، وأصابهم منها الحرُّ الشَّديد، وعطشوا أشدَّ العطش، وقف النَّبيُّ ﷺ على حوضه الَّذي يُؤتاه يومها، فيسقي منه من آمن من أمَّته شربةً لا يظمؤون بعدها أبدًا، ولا يرد الحوض كافرٌ ولا مُنافقٌ ولا مُحدِثٌ.
وممَّا جاء في وصف الحوض الحديث المُتَّفق عليه: «إِنَّ حَوْضِي أَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدَنٍ، لَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ الثَّلْجِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ بِاللَّبَنِ، وَآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ النُّجُومِ، وَإِنِّي لَأَصُدُّ النَّاسَ عَنْهُ كَمَا يَصُدُّ الرَّجُلُ إِبِلَ النَّاسِ عَنْ حَوْضِهِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَتَعْرِفُنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «نَعَمْ، لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ، تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ»، والغرَّة بياضٌ في الوجه، والتَّحجيل بياضٌ في السَّاقين، أصلهما في الفَرَس، وقوله ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ آنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ وَكَوَاكِبِهَا، أَلَا فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ الْمُصْحِيَةِ آنِيَةُ الْجَنَّةِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهَا لَمْ يَظْمَأْ آخِرَ مَا عَلَيْهِ، يَشْخُبُ فِيهِ مِيزَابَانِ مِنَ الْجَنَّةِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ»، أخرجه مسلمٌ.
وممَّن يُمنع من ورود الحوض كلُّ من أحدث في دين اللَّه ما ليس منه، وكلَّما كان الإنسان أقوى في اتِّباع الرَّسول ﷺ كان وروده الحوض أضمن، ففي الحديث المُتَّفق عليه: «أَلَا وَإِنَّهُ يُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُصَيْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾[المائدة:١١٧]، فَيُقَالُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ».
وقد ورد في الحديث أنَّ المؤمنين يشربون من حوض النَّبيِّ ﷺ بعد مُجاوزتهم الصِّراط، وليس في هذا تعارضٌ؛ لأنَّه قد ثبت أنَّ من شرب منهم شربةً واحدةً لن يظمأ بعدها أبدًا، فيكون شُربُهم بعد الصِّراط إمَّا لظمأٍ يسيرٍ ليس فيه مشقَّةٌ؛ لأنَّهم عبروا النَّار وهي حارَّةٌ، أو أنَّهم يشربون منه تلذُّذًا لا عطشًا.
وجاء عند التِّرمذيِّ: «إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضًا، وَإِنَّهُمْ يَتَبَاهَوْنَ أَيُّهُمْ أَكْثَرُ وَارِدَةً، وَإِنِّي أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ وَارِدَةً»، صحَّحه الألبانيُّ، ولا شكَّ أنَّ حوض النَّبيِّ ﷺ أعظمُ الأحواض، وأكملُها، وأكثرها ورودًا.
والحوض موجودٌ الآن، فقد جاء في الحديث: «وَإِنِّي وَاللَّهِ لَأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الْآنَ» مُتَّفقٌ عليه.
مِيزَابَانِ: الميزابُ أنبوبٌ أو قناةٌ يُصرَف بها الماء من سطح بناءٍ.