المَحَطَّةُ الثَّانية: القَبرُ ونعيمُه أو عذابُه
إذا مات ابنُ آدم وقُبِرَ انتقل إلى حياة البرزخ بين الدُّنيا والآخرة، وفيها يكون النَّعيمُ أو العذابُ على حسبِ الإيمانِ والعمل، دلَّ على ذلك الكتابُ والسُّنَّةُ وإجماعُ السَّلف، قال تعالى في آلِ فرعون: ﴿ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ وهذا العرضُ قبلَ قيامِ السَّاعة، وهو عذابُ البرزخ ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوٓا۟ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ ٤٦﴾[غافر]، وثبت عن النَّبيِّ ﷺ في أحاديثَ متواترةٍ إثباتُ سؤالِ المَلَكَيْنِ في القبر، ونعيمِ القبرِ للمؤمنين، وعذابِه للكافرين والمنافقين، حتَّى كان ﷺ يستعيذُ باللهِ من عذابِ القبرِ في كلِّ صلاةٍ؛ ممَّا يدلُّ على عِظمِ شأنه وحقِّه.
قال شيخُ الإسلام ابنُ تيميَّة رحمه الله: (وَأَنَّ الْكُفَّارَ فِي قُبُورِهِمْ يُعَذَّبُونَ، وَقَدْ أَجْمَعَ عَلَى ذَلِكَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ)، وقال: (الْعَذَابُ وَالنَّعِيمُ عَلَى النَّفْسِ وَالْبَدَنِ جَمِيعًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، تَنْعَمُ النَّفْسُ وَتُعَذَّبُ مُنْفَرِدَةً عَنِ الْبَدَنِ، وَتُعَذَّبُ مُتَّصِلَةً بِالْبَدَنِ، وَالْبَدَنُ مُتَّصِلٌ بِهَا)، ولا يمنع من هذا الاعتقاد عدم إدراك عقولنا لكيفيَّة النَّعيم والعذاب، فإنَّه ثابتٌ على الوجهِ الَّذي يُريده اللهُ، فإنَّ ما يقعُ في البرزخِ غيبٌ لا يُقاسُ على أحوالِ الدُّنيا ولا يُدرَك بالحسِّ.
وقال العلَّامة ابن عثيمين رحمه الله: (العذاب، والنَّعيم، وسعة القبر وضيقه؛ إنَّما يُدركه الميِّت دون غيره)، وعدمُ شعورِ الأحياءِ بذلك لا ينفي ثبوتَه؛ كما لا يشعرُ النَّائمُ بمن حولَه مع وقوعِ ما يراه في منامِه.
فالإيمانُ بما يكون في القبرِ أصلٌ من أصولِ اعتقاد أهلِ السُّنَّة، يبعثُ على الاستعداد، ويزجرُ عن الغفلة، ويُظهِرُ عدلَ اللهِ وحكمتَه في عباده قبلَ يومِ الحسابِ الأكبر.