كِتَابُ الْقَضَاءِ، وَالدَّعَاوَى، وَالْبَيِّنَاتِ، وَأَنْوَاعِ الشَّهَادَاتِ
قاعدةٌ: كلُّ ولايةٍ وعملٍ لابدَّ فيه من ركنين: [1] القوَّة، [2] والأمانة.
وَالْقَضَاءُ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْهُ، فَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ [إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وإن امتنع عنه كلُّ الصَّالحين أثِموا، فـ:]
| [1] يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ نَصْبُ مَنْ يَحْصُلُ فِيهِ الْكِفَايَةُ مِمَّنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالْقَضَاءِ بِـ: مَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَتَطْبِيقِهَا عَلَى الْوَقَائِعِ الْجَارِيَةِ بَيْنَ النَّاسِ. | [2] وَعَلَيْهِ أَنْ يُوَلِّيَ الْأَمْثَلَ فَالْأَمْثَلَ فِي الصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْقَاضِي [مُسلمًا مُكلَّفًا ذكرًا عالمًا]. | [3] وَيَتَعَيَّنُ عَلَى مَنْ كَانَ أَهْلًا، وَلَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ، وَلَمْ يَشْغَلْهُ عَمَّا هُوَ أَهَمُّ مِنْهُ. |
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»، وَقَالَ: «إِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ». فَمَنِ ادَّعَى مَالًا وَنَحْوَهُ فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ:
| [1] إِمَّا شَاهِدَانِ عَدْلَانِ. | [2] أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ. | [3] أَوْ رَجُلٌ وَيَمِينُ الْمُدَّعِي. |
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ ﴾، وَقَدْ «قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالشَّاهِدِ مَعَ الْيَمِينِ»، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ:
| [1] حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَبَرِئَ. | [2] فَإِنْ نَكَلَ عَنِ الْحَلِفِ: [أ] قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنُّكُولِ. [ب] أَوْ: رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي، فَإِذَا حَلَفَ مَعَ نُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَخَذَ مَا ادَّعَى بِهِ. |
إضافة الإنسان الأشياء على ثلاثة أقسامٍ:
| [1] دعوًى: وهي أن يضيف شيئًا لنفسه على غيره. | [2] إقرارٌ: وهي أن يضيف شيئًا لغيره على نفسه. | [3] شهادةٌ: وهي أن يضيف شيئًا لغيره على غيره. |
وَمِنَ الْبَيِّنَةِ: الْقَرِينَةُ الدَّالَّةُ عَلَى صِدْقِ أَحَدِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ، مِثْلُ:
| [1] أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ الْمُدَّعَى بِهَا بِيَدِ أَحَدِهِمَا، فَهِيَ لَهُ بِيَمِينِهِ. | [2] وَمِثْلُ: أَنْ يَتَدَاعَى اثْنَانِ مَالًا لَا يَصْلُحُ إِلَّا لِأَحَدِهِمَا، كَتَنَازُعِ نَجَّارٍ وَنَحْوِهِ بِآلَةِ نِجَارَتِهِ، وَحَدَّادٍ وَنَحْوِهِ بِآلَةِ حِدَادَةٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. |
الشَّهادة نوعان:
| [1] تحمُّلٌ. | [2] أداءٌ. |
حكم تحمُّل الشَّهادة وأدائها:
| [1] وتَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ: فَرْضُ كِفَايَةٍ. | [2] وَأَدَاؤُهَا: فَرْضُ عَيْنٍ. |
وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ عَدْلًا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.
وَالْعَدْلُ هُوَ: مِنْ رَضِيَهُ النَّاسُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ﴾.
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ إِلَّا بِمَا يَعْلَمُهُ:
| [1] بِرُؤْيَةٍ. | [2] أَوْ سَمَاعٍ مِنَ المَشْهُودِ عَلَيْهِ. | [3] أَوِ اسْتِفَاضَةٍ يَحْصُلُ بِهَا الْعِلْمُ فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي يُحْتَاجُ فِيهَا إِلَيْهَا؛ كَالْأَنْسَابِ وَنَحْوِهَا. |
وَقَالَ النَّبِيُ ﷺ لِرَجُلٍ: «تَرَى الشَّمْسَ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «عَلَى مِثْلِهَا فَاشْهَدْ أَوْ دَعْ». رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ. [وقال تعالى: ﴿وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ﴾.]
وَمِنْ مَوَانِعِ الشَّهَادَةِ: مَظِنَّةُ التُّهْمَةِ [فإذا انتفت قُبلت الشَّهادة]؛ كَـ:
| [1] شَهَادَةِ الْوَالِدَيْنِ لِأَوْلَادِهِمْ. | [2] وَبِالْعَكْسِ. | [3] وَأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ. | [4] وَالْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ. |
كَمَا فِي الْحَدِيثِ: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا ذِِي غَمَرٍ عَلَى أَخِيهِ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَانِعِ لِأَهْلِ الْبَيْتِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ.
وَفِي الْحَدِيثِ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ = لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
بَابُ الْقِسْمَةِ
وَهِيَ نَوْعَانِ:
| [1] قِسْمَةُ إِجْبَارٍ فِيمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ، وَلَا رَدَّ عِوَضٍ، كَـ: الْمِثْلِيَاتِ، وَالدُّورِ الْكِبَارِ، وَالْأَمْلَاكِ الْوَاسِعَةِ. | [2] قِسْمَةُ تَرَاضٍ، وَهِيَ: مَا فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى أَحَدِ الشُّرَكَاءِ فِي الْقِسْمَةِ، أَوْ فِيهِ رَدُّ عِوَضٍ، فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ رِضَى الشُّرَكَاءِ كُلِّهِمْ: [أ] وَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمْ فِيهَا الْبَيْعَ: وَجَبَتْ إِجَابَتُهُ. [ب] وَإِنْ أَجَّرُوهَا: كَانَتِ الْأُجْرَةُ فِيهَا عَلَى قَدْرِ مِلْكِهِمْ فِيهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. |
بَابُ الْإِقْرَار
وَهُوَ اعْتِرَافُ الْإِنْسَانِ بِحَقٍّ عَلَيْهِ، بِكُلِّ لَفْظٍ دَالٍ عَلَى الْإِقْرَارِ، بِشَرْطِ كَوْنِ الْمُقِرِّ مُكَلَّفًا.
وَهُوَ مِنْ أَبْلَغِ الْبَيِّنَاتِ. وَيَدْخُلُ فِي جَمِيعِ أَبْوَابِ الْعِلْمِ مِنَ: الْعِبَادَاتِ، وَالْمُعَامَلَاتِ، وَالْأَنْكِحَةِ، وَالْجِنَايَاتِ، وَغَيْرِهَا. وَفِي الْحَدِيثِ: «لَا عُذْرَ لِمَنْ أَقَرَّ». وَيَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ: أَنْ يَعْتَرِفَ بِجَمِيعِ الْحُقُوقِ الَّتِي عَلَيْهِ لِلْآدَمِيِّينَ لِيَخْرُجَ مِنَ التَّبِعَةِ بِأَدَاءٍ أَوْ اسْتِحْلَالٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
عَلَّقَهُ كَاتِبُهُ الْفَقِيرُ إِلَى اللَّهِ، الرَّاجِي مِنْهُ أَنْ يُصْلِحَ دِينَهُ وَدُنْيَاهُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَاصِرِ بْنِ سِعْدِيٍّ،
غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، نَقَلْتُهُ مِنَ الْأَصْلِ، وَتَمَّ النَّقْلُ: 3/ ذي الْحِجَّة/ 1359هـ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تُتِمُّ الصَّالِحَاتُ.