[2] بَابُ فَضْلِ التَّوْحِيدِ وَمَا يُكَفِّرُ مِنَ الذُّنُوبِ
جاء به المُصنِّف للتَّشويق، خلافًا لما يوقعه الشَّيطان في النُّفوس، ولا يلزم من ثبوت الفضل للشَّيء كونه غير واجبٍ، بل الفضل من نتائجه وآثاره، كصلاة الجماعة.
الدَّليل الأوَّل:
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴿٨٢﴾﴾.
- · ﴿ وَلَمْ يَلْبِسُوا﴾: لم يخلطوا. ﴿بِظُلْمٍ ﴾: الظُّلم هنا ما يقابل الإيمان، وهو الشِّرك
- · ﴿مُهْتَدُونَ﴾ في: [1] الدُّنيا: إلى شرع الله بالعلم والعمل، [2] الآخرة: إلى الجنَّة
- من فضائل التَّوحيد استقرار الأمن في الدُّنيا والآخرة.
الدَّليل الثَّاني:
وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالْـجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللهُ الْـجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ»، أَخْرَجَاهُ.
الدَّليل الثَّالث:
وَلَهُمَا فِي حَدِيثِ عِتْبَانَ: «فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)؛ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ الله».
- · «شَهِدَ»: الشَّهادة: الاعتراف باللِّسان، والاعتقاد بالقلب، والتَّصديق بالجوارح.
- · «أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»: لا معبود على وجهٍ يستحقُّ أن يُعبد إلَّا الله.
- · «وَحْدَهُ» توكيدٌ للإثبات، «لَا شَرِيكَ لَهُ» توكيدٌ للنَّفي في كلِّ ما يختصُّ به.
- · «وَأَنَّ مُحَمَّدًا»: بن عبدالله بن عبدالمطَّلب القرشيَّ الهاشميَّ خاتم النَّبيِّين.
- · «عَبْدُهُ»: أي: [1] ليس شريكًا مع الله، [2] أعبد الخلق.
- · «وَرَسُولُهُ»: أي: المبعوث بما أُوحي إليه، فليس كاذبًا على الله، وينقض تحقيق هذه الشَّهادة: [1] فعل المعاصي، [2] الابتداع في الدِّين ما ليس منه.
- المعاصي بالمعنى العامِّ يمكن أن نعتبرها من الشِّرك، وبالمعنى الخاصِّ تنقسم إلى: [1] شركٍ أكبر. [2] شركٍ أصغر. [3] معصيةٍ كبيرةٍ. [4] معصيةٍ صغيرةٍ.
- · «عِيسَى عَبْدُ اللهِ»: ردٌّ على النَّصارى، «وَرَسُولُهُ» ردٌّ على اليهود، نؤمن برسالته ولا يلزمنا اتِّباعه إذا خالفت شريعته شريعتنا، وشريعة من قبلنا لها حالاتٌ:
- أن تكون مخالفةً لشريعتنا؛ فالعمل على شرعنا.
- أن تكون موافقةً لشريعتنا؛ فنحن متَّبعون لشريعتنا.
- أن يكون مَسكوتًا عنها في شريعتنا، فهي شرعٌ لنا.
- انقسم النَّاس في عيسى ڠ إلى طرفين ووسط:
- جفاةٌ: كاليهود؛ كذَّبوه وطعنوا فيه وفي أمِّه، وأنكروا نبوَّته، وحكموا بقتله.
- غلاةٌ: كالنَّصارى؛ قالوا إنَّه ابن الله، وثالث ثلاثةٍ، وجعلوه إلهًا.
- وسطٌ: نشهد أنَّه عبد الله ورسوله، وأمُّه صدِّيقةٌ، وأنَّها عذراء أحصنت فرجها، وأنَّ مثله عند الله كمثل آدم، خلقه من ترابٍ ثمَّ قال له كن فيكون.
- · «كَلِمَتُهُ»: لأنَّه خُلق بالكلمة، وليس عيسى كلمة الله، فالكلام صفةٌ لله.
- · «رُوحٌ مِنْهُ»: خلقٌ من مخلوقاته أُضيفت إليه تعالى للتَّشريف والتَّكريم.
- · « أَدْخَلَهُ اللهُ الْـجَنَّةَ » إدخال الجنَّة على قسمين:
- إدخالٌ كاملٌ لم يُسبَق بعذابٍ لمن أتمَّ العمل.
- إدخالٌ ناقصٌ مسبوقٌ بعذابٍ لمن نقص العمل.
- · «قَالَ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)»: بشرط الإخلاص بدليل «يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ الله».
- في هذا الحديث ردٌّ على طائفتين:
- المرجئة: الَّذين يكتفون بقول «لا إله إلَّا الله» دون العمل والإخلاص.
- الخوارج: الَّذين يقولون بأنَّ صاحب الكبيرة كافرٌ مُخلَّدٌ في النَّار.
ما أضافه الله تعالى إلى نفسه:
| إضافة أعيانٍ قائمةٍ بنفسها، والمتَّصل بهذه الأعيان مَخلوقٌ ﴿نَاقَةُ اللّهِ﴾، هذا من باب إضافة المخلوق إلى خالقه، فكلُّ عينٍ قائمةٍ بذاتها مُنفصلةٍ عن الله مخلوقةٌ. إضافةٌ عامَّةٌ: قال تعالى: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾. إضافةٌ تشريفٍ: قال تعالى: ﴿ وَرُوحٌ مِنْهُ ۖ ﴾. | إضافة أوصافٍ غير مُضافةٍ إلى عينٍ مَخلوقةٍ ﴿ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ۖ ﴾، هذا من باب إضافة الصِّفة إلى الموصوف. |
الدَّليل الرَّابع والخامس:
[4] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْـخُدْرِيِّ ﭬ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «قَالَ مُوسَى ڠ: يَا رَبِّ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَذْكُرُكَ وَأَدْعُوكَ بِهِ، قَالَ: قُلْ يَا مُوسَى: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، قَالَ: كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُونَ هٰذا؟ قَالَ: يَا مُوسَى؛ لَوْ أَنَّ السَّمٰوَات السَّبْعَ وَعَامِرَهُنَّ - غَيْرِي - وَالْأَرْضِينَ السَّبْعَ فِي كِفَّةٍ، وَ(لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) فِي كِفَّةٍ، مَالَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»، رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْـحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.
[5] وَلِلتِّرْمِذِيِّ - وَحَسَّنَهُ - عَنْ أَنَسٍ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقـُـرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، لأَتَيْتُكَ بِقِـُـرَابِهَا مَغْفِرَةً».
- · «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»: هذه الجملة ذكرٌ مُتضمِّنٌ للدُّعاء؛ لأنَّ الذَّاكر يريد رضا الله عنه، وهي مفتاح الجنَّة؛ لكن من أتى بمفتاحٍ لا أسنان له لا يُفتح له، وشروطها هي الأسنان.
- · «بِقِـُـرَابِهَا مَغْفِرَةً»: حسنة التَّوحيد عظيمةٌ تكفِّر الخطايا الكبيرة إذا لقي الله وهو لا يشرك به شيئًا، والمغفرة ستر الذَّنب والتَّجاوُز عنه.
المسائل:
الْأُولَى: سَعَةُ فَضْلِ اللَّهِ. الثَّانِيَةُ: كَثْرَةُ ثَوَابِ التَّوْحِيدِ عِنْدَ اللَّهِ.
الثَّالِثَةُ: تَكْفِيرُهُ مَعَ ذَلِكَ لِلذُّنُوبِ.
الرَّابِعَةُ: تَفْسِيرُ الْآيَةِ الَّتِي فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ (82)﴾.
الْخَامِسَةُ: تَأَمَّلِ الْخَمْسَ اللَّوَاتِي فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ.
السَّادِسَةُ: أَنَّكَ إِذَا جَمَعْتَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ عِتْبَانَ وَمَا بَعْدَهُ تَبَيَّنَ لَكَ مَعْنَى قَوْلِ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»، وَتَبَيَّنَ لَكَ خَطَأَ الْمَغْرُورِينَ (لأنَّه لابدَّ أن يبتغي بها وجه الله، وإذا كانت كذلك فلا بدَّ أن تحمل المرء على العمل الصَّالح).
السَّابِعَةُ: التَّنْبِيهُ لِلشَّرْطِ الَّذِي فِي حَدِيثِ عِتْبَانَ (ولا يكفي مُجرَّد القول).
الثَّامِنَةُ: كَوْنُ الْأَنْبِيَاءِ يَحْتَاجُونَ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى فَضْلِ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (فغيرهم أولى).
التَّاسِعَةُ: التَّنْبِيهُ لِرُجْحَانِهَا بِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ، مَعَ أَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ يَقُولُهَا يَخِفُّ مِيزَانُهُ (فالبلاء من القائل لا من القول، لاختلال شرطٍ أو وجود مانعٍ).
الْعَاشِرَةُ: النَّصُّ عَلَى أَنَّ الْأَرَضِينَ سَبْعٌ كَالسَّمَوَاتِ (المثليَّة في العدد).
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ لَهُنَّ عُمَّارًا (أي السَّموات، وعُمَّارُهنَّ الملائكة).
الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: إِثْبَاتُ الصَّفَاتِ، خِلَافًا لِلْأَشْعَرِيَّةِ (والمُعطِّلة؛ ففيه إثبات الوجه لله).
الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أَنَّكَ إِذَا عَرَفْتَ حَدِيثَ أَنَسٍ، عَرَفْتَ أَنَّ قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ عِتْبَانَ: «فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ» أَنَّ تَرْكَ الشِّرْكِ لَيْسَ قَوْلًا بِاللِّسَانِ.
الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: تَأَمَّلِ الْجَمْعَ بَيْنَ كَوْنِ عِيسَى وَمُحَمَّدٍ عَبْدَيِ اللِه وَرَسُولَيْهِ.
الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: مَعْرِفَةُ اخْتِصَاصِ عِيسَى بِكَوْنِهِ كَلِمَةَ اللهِ (وأنَّه خُلق بلا أبٍ).
السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: مَعْرِفَةُ كَوْنِهِ رُوحًا مِنْهُ (من جملة الأرواح المخلوقة).
السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: مَعْرِفَةُ فَضْلِ الْإِيمَانِ بِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ(وأنَّه من أسباب دخول الجنَّة).
الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: مَعْرِفَةُ قَوْلِهِ:«عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ».
التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: مَعْرِفَةُ أَنَّ الْمِيزَانَ لَهُ كِفَّتَانِ.
الْعِشْرُونَ: مَعْرِفَةُ ذِكْرِ الْوَجْهِ (وهو صفةٌ من صفات الله).