[9] بَابُ مَنْ تَبَرَّكَ بِشَجَرَةٍ أَوْ حَجَرٍ وَنَحْوِهِمَا
التَّبرُّك: وهو طلب البركة، ومنه:
| تبرُّكٌ ممنوعٌ: الضَّابط فيه أنَّه كلُّ ما لم يثبت فيه أمرٌ شرعيٌّ أو حسِّيٌّ، مثل التَّمسُّح بحجرة النَّبيِّ ﷺ. |
تبرُّكٌ مشروعٌ:
| بأمرٍ شرعيٍّ: كالصَّلاة في المسجد الحرام، وقراءة القرآن. | بأمرٍ حسِّيٍّ: كالتَّبرُّك بدراسة كتب أهل السُّنَّة ككتب شيخ الإسلام. |
الدَّليل الأوَّل:
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى ﴾الآيَاتِ.
الدَّليل الثَّاني:
عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى حُنَيْنٍ، وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ، وَلِلْـمُشْرِكِينَ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا، وَيَنُوطُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ، يُقَالُ لَهَا: (ذَاتُ أَنْوَاطٍ)، فَمَرَرْنَا بِسِدْرَةٍ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اللهُ أَكْبَرُ، إِنَّهَا السُّنَنُ، قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسـِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِـمُوسَى: ﴿اجْعَلْ لَّنَآ إِلَـهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾، لَتَرْكَبُنَّ سُـَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَه.
- · ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾: أخبروني ما شأن هذه الأصنام الَّتي تعظِّمونها وما حالها بالنِّسبة إلى هذه الآيات العظيمة كالمعراج، فإنَّهم يعتقدون أنَّ هذه الأصنام تنفعهم وتضرُّهم، ولهذا يأتون إليها؛ يدعونها، ويذبحون لها، ويتقرَّبون إليها.
- · ﴿اللَّاتَ﴾: [1] تُقرأ بتشديد التَّاء: رجلٌ صالحٌ كان يلتُّ السَّويق للحجَّاج.
[2] وتُقرأ بتخفيف التَّاء: اشتقُّوا من أسماء الله اسمًا لهذا الصَّنم، وسمَّوه اللَّات.
- · ﴿ وَالْعُزَّى﴾: مُشتَقٌّ من اسم الله العزيز.
- · ﴿ وَمَنَاةَ﴾: مُشتقَّةٌ [1] من اسم الله المنَّان، [2] أو أنَّها مشتقَّةٌ من مِنى؛ لكثرة ما يُمنى (يُراق) عنده من الدِّماء، ومنه سُمِّيت مِنى.
- «حُدَثَاءُ»: قريبو عهدٍ بكفر، وذكر ذلك للاعتذار لطلبهم وسؤالهم.
- · «يَنُوطُونَ »: يُعلِّقون بها أسلحتهم تبرُّكًا.
- · «ذَاتُ أَنْوَاطٍ »: لأنَّها تُعلَّق عليها الأسلحة رجاء بركتها.
- · «اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ»: عرفوا أنَّ العبادة توقيفيَّةٌ، ولابدَّ لهم من الإذن، لذلك استأذنوا النَّبيَّ ﷺ؛ فغلَّظ لهم الأمر، ولم يقعوا في هذا الشِّرك.
- · «لَتَرْكَبُنَّ»: لتفعلُنَّ مثل فعلهم، ولتقولُنَّ مثل قولهم، ففيه إخبارٌ وتحذيرٌ.
المسائل:
الْأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ النَّجْمِ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى ﴾.
الثَّانِيَةُ: مَعْرِفَةُ صُورَةِ الْأَمْرِ الَّذِي طَلَبُوا (إغاضةً للكفَّار لا أن يعبدوها).
الثَّالِثَةُ: كَوْنُهُمْ لَمْ يَفْعَلُوا.
الرَّابِعَةُ: كَوْنُهُمْ قَصَدُوا التَّقَرُّبَ إِلَى اللَّهِ بِذَلِكَ؛ لِظَنِّهِمْ أَنَّهُ يُحِبُّهُ.
الْخَامِسَةُ: أَنَّهُمْ إِذَا جَهِلُوا هَذَا؛ فَغَيْرُهُمْ أَوْلَى بِالْجَهْلِ (فلا نغترَّ بعمل النَّاس).
السَّادِسَةُ: أَنَّ لَهُمْ مِنَ الْحَسَنَاتِ وَالْوَعْدِ بِالْمَغْفِرَةِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ (فلا تذكرهم إلَّا بالجميل؛ لأنَّ الطَّعن فيهم طعنٌ في الله وفي دينه وفي رسوله ﷺ وفيهم).
السَّابِعَةُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَعْذِرْهُمْ بَلْ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: «اللَّهُ أَكْبَرُ! إِنَّهَا السُّنَنُ!... لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»؛ فَغَلَّظَ الْأَمْرَ بِهَذِهِ الثَّلَاثِ.
الثَّامِنَةُ: الْأَمْرُ الْكَبِيرُ -وَهُوَ الْمَقْصُودُ- أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ طَلَبَهُمْ كَطَلَب بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا قَالُوا لِمُوسَى: ﴿اجْعَلْ لَّنَآ إِلَـهًا﴾ (ففيه النهي عن التَّشبُّه بالمُشركين في الألفاظ).
التَّاسِعَةُ: أَنَّ نَفْيَ هَذَا مِنْ مَعْنَى (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) مَعَ دِقَّتِهِ وَخَفَائِهِ عَلَى أُولَئِكَ (فالشَّهادة تنفي كلَّ إلهٍ سوى الله، فكذلك البركة لا تكون من غير الله).
الْعَاشِرَةُ: أَنَّهُ حَلَفَ عَلَى الْفُتْيَا، وَهُوَ لَا يَحْلِفُ إِلَّا لِمَصْلَحَةٍ (أو دفع مفسدةٍ).
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ الشِّرْكَ فِيهِ أَكْبَرُ وَأَصْغَرُ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَرْتَدُّوا بِهَذَا.
الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُمْ : «وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ»؛ فِيهِ أَنَّ غَيْرَهُمْ لَا يَجْهَلُ ذَلِكَ (فهم يُعذَرون لجهلهم بكونهم حُدثاء عهدٍ بكفرٍ).
الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: التَّكْبِيرُ عِنْدَ التَّعَجُّبِ؛ خِلَافًا لِمَنْ كَرِهَهُ.
الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: سَدُّ الذَّرَائِعِ (وهي الطُّرق الموصلة إلى الشَّيء، والذَّرائع نوعان:
[1] ذرائع إلى أمورٍ مطلوبةٍ؛ فهذه لا تُسَدُّ، بل تُفتَح وتُطلَب.
[2] وذرائع إلى أمورٍ مذمومةٍ؛ فهذه تُسَدُّ، وهو مُراد المُؤلِّف رحمه الله).
الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: النَّهْيُ عَنْ التَّشَبُّهِ بِأَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ (لا تختصُّ بما قبل البعثة، بل كلُّ من جهل الحقَّ وعمل عمل الجاهلين؛ فهو من أهل الجاهليَّة).
السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: الْغَضَبُ عِنْدَ التَّعْلِيمِ.
السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: الْقَاعِدَةُ الْكُلِّيَّةُ لِقَوْلِهِ : «إِنَّهَا السُّنَنُ» (وهذا للتَّحذير).
الثَّامِنَةِ عَشْرَةَ: أَنَّ هَذَا عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ لِكَوْنِهِ وَقَعَ كَمَا أَخْبَرَ.
التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ كُلَّ مَا ذَمَّ اللَّهُ بِهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فِي الْقُرْآنِ؛ أَنَّهُ لَنَا.
الْعِشْرُونَ: أَنَّهُ مُتَقَرِّرٌ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْعِبَادَاتِ مَبْنَاهَا عَلَى الْأَمْرِ، فَصَارَ فِيهِ التَّنْبِيهُ عَلَى مَسَائِلِ الْقَبْرِ؛ أَمَّا (مَنْ رَبُّكَ؟) فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا (مَنْ نَبِيِّكَ؟) فَمِنْ إِخْبَارِهِ بِأَنْبَاءِ الْغَيْبِ، وَأَمَّا (مَا دِينُكَ؟) فَمِنْ قَوْلِهِمْ «اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا اِلْخَ» إِلَى آخِرِهِ.
الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ مَذْمُومَةٌ كَسُنَّةِ الْمُشْرِكِينَ.
الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّ الْمُنْتَقِلَ مِنَ الْبَاطِلِ الَّذِي اعْتَادَهُ قَلْبُهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَكُونَ فِي قَلْبِهِ بَقِيَّةٌ مِنْ تِلْكَ الْعَادَةِ؛ لِقَوْلِهِ: «وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ» (ولهذا كان من الحكمة تغريب الزَّاني بعد جلده عن مكان الجريمة، لئلَّا يعود إليها، فالإنسان ينبغي أن يبتعد عن مواطن الكفر والشِّرك والفسوق، وطريقة أهل السُّنَّة الأخذ عن العلماء الرَّبَّانيِّين، وأنَّ من رجع إلى السُّنَّة وكان في الضَّلال لا يُؤخَذ عنه حتَّى يشهد العلماء بصفاء ما يعتقد وزوال ما كان عليه من ضلالٍ).