[27] بَابُ مَا جَاءَ فِي النُّشْرَةِ
هذا من حسن التَّرتيب، فبعد أن ذكر السِّحرأراد أن يذكر لك كيفيَّة علاجه، ولا ريب أنَّ حلَّ السِّحر عن المسحور بالمشروع فيه فضلٌ كبيرٌ لمن ابتغى وجه الله.
الدَّليل الأوَّل:
عَنْ جَابِرٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ النُّشْرَةِ، فَقَالَ: «هِيَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ -بِسَنَدٍ جَيِّدٍ-، وَأَبُو دَاوُدَ.
الدَّليل الثَّاني:
وَقَالَ: سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْهَا؛ فَقَالَ: ابْنُ مَسْعُودٍ يَكْرَهُ هٰذا كُلَّهُ.
- · «النُّشْرَةِ»: أي المعروفة في الجاهليَّة الَّتي كانوا يستعملونها في الجاهليَّة.
- · «مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ»: نسبتها إلى الشَّيطان أبلغ في تقبيحها والتَّنفير منها.
- · «يَكْرَهُ هٰذا»: الكراهة عند المُتقدِّمين يُراد بها التَّحريم.
- · «يَكْرَهُ هٰذا كُلَّهُ»: يُراد بها النُّشرة الَّتي من عمل الشَّيطان، وهي النُّشرة بالسِّحر.
الدَّليل الثَّالث:
وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ قَتَادَةَ: قُلْتُ لِابْنِ الْـمُسَيَّبِ: رَجُلٌ بِهِ طِبٌّ أَوْ يُؤَخَّذُ عَنِ امْرَأَتِهِ؛ أَيُحَلُّ عَنْهُ أَوْ يُنَشَّـرُ؟ قَالَ: (لَا بَأْسَ بِهِ، إِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ الإِصْلَاحَ، فَأَمَّا مَا يَنْفَعُ فَلَمْ يُنْهَ عَنْهُ) انْتَهَى.
- · «طِبٌّ»: أي سحرٌ، ومن المعلوم أنَّ الطِّبَّ هو علاج المرض، لكن سُمِّي السِّحر طبًّا من باب التَّفاؤل، كما سُمِّي اللَّديغ سليمًا والكسير جبيرًا.
- · «يُؤَخَّذُ عَنِ امْرَأَتِهِ»: أي يُحبس فلا يتمكَّن من جماعها، وهو ليس به بأسٌ، وهو نوعٌ من السِّحر.
الدَّليل الرَّابع:
وَرُوِيَ عَنِ الْـحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: (لَا يَحُلُّ السِّحْرَ إِلَّا سَاحِرٌ).
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: (النُّشْرَةُ: حَلُّ السِّحْرِ عَنِ الْـمَسْحُورِ، وَهِيَ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: حَلٌّ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ، وَهُوَ الَّذِي مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ الْـحَسَنِ، فَيَتَقَرَّبُ النَّاشِرُ وَالْـمُنْتَشِرُ إِلَى الشَّيْطَانِ بِمَا يُحِبُّ، فَيُبْطِلُ عَمَلَهُ عَنِ الْـمَسْحُورِ. الثَّانِي: النُّشْرَةُ بِالرُّقْيَةِ، وَالتَّعَوُّذَاتِ، وَالدَّعَوَاتِ، وَالأَدْوِيَةِ الْـمُبَاحَةِ؛ فَهٰذا جَائِزٌ).
كيف نردُّ على من قال بأنَّ السِّحر يُحَلُّ بالسِّحر؟
- بأنه مُخالفٌ للكتاب والسُّنَّة وما كان عليه الصَّحابة وسلف الأمَّة ﭫ.
- وفيه تضعيفٌ للتَّداوي بالقرآن والأدعية المأثورة في السُّنَّة النَّبويَّة.
- وفيه تقويةٌ للسِّحر والسَّحرة وتمكينٌ لهم عند عامَّة النَّاس.
- فيه عدولٌ عن اليقين الَّذي هو التَّداوي بالقرآن والأدعية المأثورة إلى الظَّنِّ وهو التَّداوي بالسِّحر.
- لابدَّ في حلِّ السِّحر عن المسحور من أن يتقرَّب النَّاشر والمنتشر للشَّيطان بما يحب حتَّى يبطل السِّحر.
- إذا صبر المسحور فإنَّ له الجنَّة كما ورد عن النَّبيِّ ﷺ.
- حلُّ السِّحر بسحرٍ يزيد المسحور سحرًا على سحره.
- سُحر النَّبيُّ ﷺ ولم يتداوَ بالسِّحر بل بالرُّقية الشَّرعيَّة.
المسائل:
الْأُولَى: النَّهْيُ عَنِ النُّشْرَةِ.
الثَّانِيَةُ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْـمَنْهِيِّ عَنْهُ وَالْـمُرَخَّصِ فِيهِ، مِمَّا يُزِيلُ الْإِشْكَالَ.
(يُحمل قولُ كلِّ من قال بجواز حلِّ السِّحر على الرُّقية والتَّعوُّذات والأدوية والدَّعوات، وقولُ كلِّ مَن منع حلَّ السِّحر على حلِّ السِّحر بالسِّحر، والله أعلم).