[4] بَابُ الْخَوْفِ مِنَ الشِّرْكِ
لماذا جاء المصنِّف بهذا الباب بعد تحقيق التَّوحيد؟
لأنَّ كلَّ بابٍ بعد تحقيق التَّوحيد هو من تحقيق التَّوحيد، فمن تحقيق التَّوحيد الخوف من الشِّرك، ومن تحقيقه الدَّعوة إليه، وهكذا إلى نهاية الكتاب.
لأنَّ الإنسان يرى أنَّه قد حقَّق التَّوحيد وهو لم يحقِّقه، فلا يغترَّ بنفسه.
الدَّليلان الأوَّل والثَّاني:
[1] وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى:﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ ﴾.
[2] وَقَالَ الْـخَلِيلُ عليه السلام : ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35) ﴾.
كيف نخاف من الشَّرك؟
تعلُّم التَّوحيد، والعمل به، والدَّعوة إليه، والصَّبر.
دراسة الشِّرك، ومعرفة أسبابه ودواعيه، وذلك لتجنُّبه.
الدُّعاء والاستعانة بالله تعالى.
البراءة من الشِّرك وأهله، والبعد عنهم لئلَّا يصير منهم.
- الشِّرك لا يغفره الله أبدًا إذا مات عليه؛ لأنَّه جنايةٌ على حقِّ الله الخاصِّ وهو التَّوحيد، فمن مات على الشِّرك الأكبر فهو خالدٌ خلودًا أبديًّا في النَّار، ولو مات على الشِّرك الأصغر فإنَّه يُعذَّب بقدر شركه ثمَّ يدخل الجنَّة، ولا يخلد في النَّار لأنَّه من أهل الإيمان.
- · ﴿وَاجْنُبْنِي ﴾: اجعلني جانبًا واجعل عُبَّاد الأصنام في جانبٍ آخر، حتَّى يبتعد عنها.
- · ﴿ﭯ﴾: الصَّنم هو: ما جُعل على صورة إنسانٍ أو غيره يُعبد من دون الله، أمَّا الوثن فهو: ما عُبد من دون الله على أيِّ وجهٍ كان، فالوثن أعمُّ من الصَّنم.
- إبراهيم ڠ يخاف على نفسه، وهو خليل الرَّحمن، وإمام الحنفاء؛ فما بالك بنا نحن إذن؟! فلا تأمن الشِّرك، ولا تأمن النِّفاق؛ إذ لا يأمن النِّفاق إلَّا مُنافقٌ.
الدَّليل الثَّالث إلى الخامس:
[3] وَفِي الحَدِيثِ: «أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ: الشِّرْكُ الأَصْغَرُ، فَسُئِلَ عَنْهُ؟ فَقَالَ: الرِّيَاءُ».
[4] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَدْعُو للهِ نِدًّا؛ دَخَلَ النَّارَ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
[5] وَلِـمُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ ﭬ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْـجَنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَهُ يُشْـرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ».
- الرِّياء: أن يعبد الله ليراه أو يسمع به النَّاس فيمدحوه على كونه عابدًا، وليس يريد أن تكون العبادة للنَّاس؛ وإلَّا كان شركًا أكبر، وأمَّا إن أراد بعبادته أن يقتدي النَّاس به فيها فليس هذا رياءً، بل هذا من الدَّعوة إلى الله، وعلاج الرِّياء يكون بـ:
[1] دراسة التَّوحيد؛ لأنَّه بدراسة التَّوحيد يُعظِّم الله ولا يبالي بأحدٍ في دين الله.
[2] الدُّعاء.
[3] الحرص على أن تكون الأعمال سرًّا بين العبد وربِّه.
[4] عدم ترك العمل بحجَّة اجتناب الوقوع في الرِّياء.
[5] الإكثار من الأعمال الصَّالحة الَّتي تُذكِّر الآخرة؛ كزيارة القبور بشروطها.
لماذا خاف ﷺ على أمَّته من الرِّياء أشدَّ من خوفه عليها من المسيح الدَّجَّال؟
لأنَّ فتنة المسيح الدَّجَّال ظاهرةٌ، أمَّا فتنة الرِّياء فهي خفيَّةٌ.
لأنَّ فتنة الدَّجَّال في زمنٍ مُحدَّدٍ (آخر الزَّمان)، أمَّا الرِّياء فيكون في كلِّ وقتٍ.
أقسام الرِّياء:
في أصل العبادة: أي ما قام يتعبَّد إلَّا للرِّياء؛ فالعبادة باطلةٌ.
طارئ: أصل العبادة لله لكن طرأ عليها.
بعد الفراغ من العبادة:
لا يؤثِّر إلَّا إذا كان فيه عدوانٌ؛ كالمنِّ والأذى بعد الصَّدقة.
أن يدافعه: فهذا لا يضرُّه لأنَّه قام بالجهاد، وصحَّت عبادته.
أن يسترسل معه: فهذا فيه تفصيلٌ:
إذا كان أوَّل العبادة متَّصلًا بآخرها كالصَّلاة:
فالعبادة كلُّها باطلةٌ.
إذا كان أوَّل العبادة منفصلًا عن آخرها كالزَّكاة:
فالجزء الَّذي فيه الرِّياء فقط باطلٌ.
- · «نِدًّا»: النِّدُّ هو الشَّبيه والمثيل والنَّظير.
- · «دَخَلَ النَّارَ»: هذه عقوبة اتِّخاذ الأنداد لله تعالى.
- · «شَيْئًا»: يعمُّ أيَّ شركٍ حتَّى ولو أشرك مع الله أشرف الخلق، دخل النَّار.
- · «وَمَنْ لَقِيَهُ يُشْـرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ»: إن كان الشِّرك أصغر فإنَّه لا يلزم من ذلك الخلود في النَّار، وإن كان أكبر فإنَّه يلزم منه الخلود في النَّار.
- الشِّرك أمره صعبٌ جدًّا ليس بالهيِّن، ولكن ييسِّر الله الإخلاص على العبد، وذلك بأن يجعل اللهَ نُصب عينيه، فيقصد بعمله وجه الله لا مدحَ النَّاس أو ذمَّهم أو ثناءهم عليه؛ فالنَّاس لا ينفعونه أبدًا.
- وكذلك أيضًا من المهمِّ أنَّ الإنسان لا يُفرِحه أن يقبل النَّاس قوله لأنَّه قوله، لكن يُفرحه أن يقبل النَّاس قوله إذا رأى أنَّه الحقُّ، لا أنَّه قولُه، وكذلك العكس، فالإخلاص صعبٌ جدًّا، إلَّا أنَّ الإنسان إذا كان مُتَّجهًا إلى الله اتِّجاهًا صادقًا سليمًا على صراطٍ مستقيمٍ؛ فإنَّ الله يعينه عليه، ويُيسِّره له.
الدُّعاء ينقسم إلى قسمين:
دعاء عبادةٍ: كمن صلَّى وحجَّ وصام لغير الله فهو كافرٌ كفرًا أكبر.
دعاء مسألةٍ:
وينقسم إلى قسمين:
فيما لا يقدر عليه إلَّا الله:
وهذا صرفه لغير الله تعالى شركٌ أكبر؛ كمن طلب الولد أو إنزال الغيث من عند غير الله تعالى.
فيما يقدر عليه المخلوق:
يصحُّ هذا النَّوع من الدُّعاء بأربعة شروطٍ: أن يكون المدعوُّ حيًّا، حاضرًا، قادرًا، وأن يكون سببًا.
الفرق بين الشِّرك الأكبر والأصغر:
الشِّرك الأكبر:
- مخرجٌ من الملَّة.
- محبطٌ لجميع الأعمال.
- صاحبه مُخلَّدٌ في النَّار خلودًا أبديًّا.
- مبيحٌ للدَّم والمال، من السلطان.
- يأتي الدَّليل على أنَّه أكبر.
- أن يعتقد أنَّ لغير الله تصرُّفًا خفيًّا في الكون، وأنَّ بيده جلبَ المنافع ودفع المضارِّ.
الشِّرك الأصغر:
- غير مخرجٍ من الملَّة.
- محبطٌ للعمل الخاصِّ.
- صاحبه غير مُخلَّدٍ في النَّار خُلودًا أبديًّا.
- غير مبيحٍ للدَّم والمال.
- يأتي الدَّليل على أنَّه أصغر.
- أن يعتقد أنَّ ما لم يجعله الله تعالى سببًا سببٌ.
- كلُّ ما كان وسيلةً إلى الشِّرك الأكبر فهو شركٌ أصغر.
- كلُّ ما أطلق عليه الشَّرع أنَّه شركٌ أو كفرٌ ولم يُعرَّف بـ(أل) فالأصل أنَّه أصغر.
المسائل:
الْأُولَى: الْخَوْفُ مِنْ الشِّرْكِ.
الثَّانِيَةُ: أَنَّ الرِّيَاءَ مِنْ الشِّرْكِ.
الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ مِنَ الشِّرْكِ الْأَصْغَرِ(يسير الرِّياء).
الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ أَخْوَفُ مَا يُخَافُ مِنْهُ عَلَى الصَّالِحِينَ (لأنَّه قد يدخل في قلب الإنسان من غير شعورٍ لخفائه وتَطلُّع النَّفس إليه، فإنَّ كثيرًا من النُّفوس تحبُّ أن تُمدح بالتَّعبُّد).
الْخَامِسَةُ: قُرْبُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ.
السَّادِسَةُ: الْجَمْعُ بَيْنَ قُرْبِهِمَا فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ.
السَّابِعَةُ: أَنَّهُ مَنْ لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ وَلَوْ كَانَ مِنْ أَعْبَدِ النَّاسِ (إن كان أكبر لم يدخل الجنَّة، وإن كان أصغر عُذِّب بقدر ذنوبه ثمَّ دخل الجنَّة).
الثَّامِنَةُ: الْمَسْأَلَةُ الْعَظِيمَةُ: سُؤَالُ الْخَلِيلِ لَهُ وَلِبَنِيِهِ وِقَايَةَ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ.
التَّاسِعَةُ: اِعْتِبَارُهُ بِحَالِ الْأَكْثَرِ لِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ ۖ ﴾.
الْعَاشِرَةُ: فِيهِ تَفْسِيرُ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» كَمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ.
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: فَضِيلَةُ مَنْ سَلِمَ مِنْ الشِّرْكِ (دخل الجنَّة).