[19] بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ سَبَبَ كُفْرِ بَنِي آدَمَ وَتَرْكِهِمْ دِينَهُمْ هُوَ الْغُلُوُّ فِي الصَّالِحِينَ
جاء به ليبيِّن أسباب الكفر حتَّى نجتنبها، وجوابًا عن: لماذا يقع الكفر في بعض الأمَّة؟ أجاب بأبوابٍ ثلاثةٍ، والرَّابع فيه أنَّه ﷺ أغلق كلَّ ما يوصل إلى الشِّرك.
هذا من أعظم الأسباب وأخطرها، وأوَّل شركٍ حدث سببه شبهة الغُلوِّ فيهم.
الدَّليلان الأوَّل والثَّاني:
[1] وَقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾.
[2] فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما -فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ﴾-؛ قَالَ: (هٰذه أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ؛ أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ فِيهَا أَنْصَابًا، وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا، وَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَنُسِيَ الْعِلْـمُ عُبِدَتْ)، وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: (قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ: لَـمَّا مَاتُوا عَكَفُوا عَلَى قُبورهِمْ، ثُمَّ صَوَّرُوا تَمَاثِيلَهُمْ، ثُمَّ طَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَعَبَدُوهُمْ).
- · ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾: هم اليهود ولهم التَّوراة، والنَّصارى ولهم الإنجيل.
- ﴿ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾: أي لا تتجاوزوا الحدَّ مدحًا أو قدحًا، فالنَّصارى غَلوْا في عيسى عليه السلام مدحًا فقالوا: ابن الله، وثالث ثلاثةٍ، واليهود غلوا فيه قدحًا.
- «هَلَكُوا»: أي ماتوا.
- · «أَوْحَى الشَّيْطَانُ»: وسوس الشَّيطان لهم.
- · «أَنِ انْصِبُوا»: كلُّ ما يُنصَب من عصًا أو حجرٍ، وذلك أنَّه قال لهم: حتَّى إذا رأيتموها تنشطون في عبادتكم، لكن خالفوا طريق الشَّرع، فالنِّيَّة لا تكفي وحدها، ولابدَّ لها من عملٍ موافقٍ للشَّرع، فالقصد صحيحٌ والعمل باطلٌ.
- · «حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ»: الَّذين نصبوا الأصنام وصوَّروا التَّماثيل.
- القوم الَّذين سبقوا نوحًا ڠ فعلوا ثلاثة أشياءٍ:
- o «صَوَّرُوا»: تماثيلهم، وفيه خطر التَّصاوير والتَّماثيل.
- o «عَكَفُوا»: على قبورهم.
- o «طَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ »: وبعُد عهد النُّبوَّة، ففُقد العلم، فحصل الشِّرك الأكبر، فعبدوها من دون الله، والأصل تعاهد العلم والعمل حتَّى لا يقع مثل هذا.
مفاسد الغُلوِّ:
- أنَّه تنزيلٌ للمَغلوِّ فيه فوق منزلته إن كان مدحًا، و تحتها إن كان قدحًا.
- أنَّه يُؤدِّي إلى عبادة هذا المَغلوِّ فيه.
- أنَّه يصدُّ عن تعظيم الله تعالى؛ لأنَّ النَّفس إمَّا أن تشتغل بالباطل أو بالحقِّ.
- أنَّ المَغلوَّ فيه إن كان موجودًا،؛ فإنَّه يزهو بنفسه، وهذه مفسدةٌ تفسد المَغلوَّ فيه إن كانت مدحًا، وتوجب العداوة والبلاء إن كانت قدحًا.
أقسام النَّاس في الصَّالحين:
| قسمٌ يغلو مدحًا: كالنَّصارى مع عيسى عليه السلام. | قسمٌ يغلو قدحًا: كاليهود مع عيسى عليه السلام. | قسمٌ توسَّطوا: لا إفراط ولا تفريط، وهم أهل السُّنَّة . |
الدَّليل الثَّالث إلى الخامس:
[3] وَعَنْ عُمَرَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ». أَخْرَجَاهُ.
[4] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ».
[5] وَلِـمُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «هَلَكَ الْـمُتَنَطِّعُونَ»، قَالَهَا ثَلَاثًا.
- · «لَا تُطْرُونِي»: الإطراء المبالغة في المدح، بما يشابه غُلوَّ النَّصارى وما دونه.
- · «عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ» : هذان الوصفان أصدق وصفٍ وأشرفه له ﷺ.
- · «الْغُلُوُّ»: هو مُجاوزة الحدِّ في الثَّناء وفي التَّعبُّد والعمل.
- · في ماذا أهلكهم الغُلوُّ؟ أهلكهم: [1] في الدِّين، [2] وفي الأجسام.
- الغُلوُّ أقسامٌ كثيرةٌ: غُلوٌّ في العقيدة، والعبادات، والمعاملات، والعادات، ودين الله وسطٌ بين الغالي فيه والجافي عنه.
- · «الْـمُتَنَطِّعُونَ»: المتنطِّع هو المتعمِّق والمتقعِّر والمتشدِّق في الكلام والأفعال لما فيه من إعجابٍ بالنَّفس، والتَّنطُّع في الدِّين يشبه الغلوَّ، وسببٌ من أسباب الهلاك.
المسائل:
الْأُولَى: أَنَّ مَنْ فَهِمَ هَذَا اَلْبَابَ وَبَابَيْنِ بَعْدَهُ، تَبَيَّنَ لَهُ غُرْبَةُ اَلْإِسْلَامِ، وَرَأَى مِنْ قُدْرَةِ اَللَّهِ وَتَقْلِيبِهِ لِلْقُلُوبِ اَلْعَجَبَ.
الثَّانِيَةُ: مَعْرِفَةُ أَوَّلِ شِرْكٍ حَدَثَ فِي اَلْأَرْضِ كَانَ بِشُبْهَةِ اَلصَّالِحِينَ.
الثَّالِثَةُ: مَعْرِفَةُ أَوَّلِ شَيْءٍ غُيِّرَ بِهِ دِينُ اَلْأَنْبِيَاءِ (وهو الشِّرك)، وَمَا سَبَبُ ذَلِكَ؟ (الغُلوُّ في الصَّالحين) مَعَ مَعْرِفَةِ أَنَّ اَللَّهَ أَرْسَلَهُمْ.
الرَّابِعَةُ: قَبُولُ اَلْبِدَعِ مَعَ كَوْنِ اَلشَّرَائِعِ وَالْفِطَرِ تَرُدُّهَا.
الْخَامِسَةُ: أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ كُلِّهُ مَزْجُ اَلْحَقِّ بِالْبَاطِلِ، فَالْأَوَّلُ مَحَبَّةُ اَلصَّالِحِينَ، وَالثَّانِي فِعْلُ أُنَاسٍ مِنْ أَهْلِ اَلْعِلْمِ وَالدِّيْنِ شَيْئًا أَرَادُوا بِهِ خَيْرًا فَظَنَّ مَنْ بَعْدَهُمْ أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِهِ غَيْرَهُ (من أراد تقوية دينه ببدعةٍ، فإنَّ ضررها أكثر من نفعها).
السَّادِسَةُ: تَفْسِيرُ اَلْآيَةِ اَلَّتِي فِي سُورَةِ نُوحٍ (وفيها أنَّهم يتواصون بالباطل).
السَّابِعَةُ: جِبِلَّةُ الْآدَمِيِّ فِي كَوْنِ الْحَقِّ يَنْقُصُ فِي قَلْبِهِ وَالْبَاطِلِ يَزِيدُ (إلَّا من مَنَّ الله عليه).
الثَّامِنَةُ: فِيهِ شَاهِدٌ لِمَا نُقِلَ عَنْ السَّلَفِ أَنَّ الْبِدَعَ سَبَبُ الْكُفْرِ (ولا مانع من تعدُّد الأسباب).
التَّاسِعَةُ: مَعْرِفَةُ الشَّيْطَانِ بِمَا تَؤولُ إِلَيْهِ الْبِدْعَةُ وَلَوْ حَسُنَ قَصْدُ الْفَاعِلِ.
الْعَاشِرَةُ: مَعْرِفَةُ الْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ، وَهِيَ النَّهْيُ عَنْ الْغُلُوِّ وَمَعْرِفَةُ مَا يَؤولُ إِلَيْهِ.
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: مَضَرَّةُ الْعُكُوفِ عَلَى الْقَبْرِ لِأَجْلِ عَمَلٍ صَالِحٍ (توصل إلى عبادتهم).
الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: مَعْرِفَةُ النَّهْيِ عَنْ التَّمَاثِيلِ وَالْحِكْمَةِ فِي إِزَالَتِهَا (لسدِّ الذَّرائع).
الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: عِظَمُ شَأْنِ هَذِهِ الْقِصَّةِ وَشِدَّةُ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا مَعَ الْغَفْلَةِ عَنْهَا.
الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: وَهِيَ أعْجَبُ الْعَجَبِ: قِرَاءَتُهُمْ إِيَّاهَا فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ، وَمَعْرِفَتُهُمْ بِمَعْنَى الْكَلَامِ، وَكَوْنُ اللَّهِ حَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ قُلُوبِهِمْ حَتَّى اعْتَقَدُوا أنَّ فِعْلَ قَوْمِ نُوحٍ هُوَ أفْضَلُ الْعِبَادَاتِ، وَاعْتَقَدُوا أنَّ مَا نَهَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَنْهُ فَهُوَ الْكُفْرُ الْمُبِيحُ لِلدَّمِ وَالْمَالِ.
الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: التَّصْرِيحُ بِأنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا إِلَّا الشَّفَاعَةَ (ومع ذلك وقعوا في الشِّرك).
السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: ظَنُّهُمْ أنَّ الْعُلَمَاءَ الَّذِينَ صَوَّرُوا الصُّوَرَ أرَادُوا ذَلِكَ (أن تشفع لهم، وهذا ظنٌّ فاسدٌ).
السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: الْبَيَانُ الْعَظِيمُ فِي قَوْلِهِ: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ» فَصَلَوَاتُ اللَّهُ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، بَلَّغَ الْبَلَاغَ الْمُبِينِ (فنهى عن الغُلوِّ في المدح، والمبالغة فيه، وقد وقع فيه بعض هذه الأمَّة، بل أشدُّ).
الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: نَصِيحَتُهُ إِيَّانَا بِهَلَاكِ الْمُتَنَطِّعِينَ (للتَّحذير منه).
التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: التَّصْرِيحُ بِأنَّهَا لَمْ تُعْبَدْ حَتَّى نُسِيَ الْعِلْمُ، فَفِيهَا بَيَانُ مَعْرِفَةِ قَدْرِ وُجُودِهِ وَمَضَرَّةِ فَقْدِهِ.
الْعِشْرُونَ: أنَّ سَبَبَ فَقْدِ الْعِلْمِ مَوْتُ الْعُلَمَاءِ (فهذا من أكبر الأسباب، وكذلك الغفلة والإعراض عنه، والتَّشاغل بأمور الدُّنيا، وعدم المبالاة به).