[8] بَابُ مَا جَاءَ فِي الرُّقَى وَالتَّمَائِمِ
لماذا قال: (بَابُ مَا جَاءَ) ولم يقل: (من الشِّرك الرُّقى) كما في الباب السَّابق؟
- لأنَّ الرُّقية تنقسم إلى شرعيَّةٍ وغير شرعيَّةٍ.
- والتَّمائم كلُّها من الشِّرك، إلَّا إذا كانت من القرآن فهي مُحرَّمةٌ.
الدَّليل الأوَّل:
فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي بَشِيرٍ الأَنْصَارِيِّ؛ أَنَّهُ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في بَعْضِ أسْفَارِهِ، فَأَرْسَلَ رَسُولًا: «أَنْ لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ - أَوْ: قِلَادَةٌ - إِلَّا قُطِعَتْ».
- · «فَأَرْسَلَ»: لتفقُّد أحوالهم بما تقتضيه الشَّريعة.
- · «قِلَادَةٌ»: يعتقدون أنَّ ذلك يدفع العين عن البعير، وهذا اعتقادٌ فاسدٌ.
الدَّليلان الثَّاني والثَّالث:
[2] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﭬ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ.
[3] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُكَيْمٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ.
- · «إِنَّ الرُّقَى»: أي الرُّقية المعهودة عندهم وهي الشِّركيَّة، بغير ما ورد به الشَّرع.
- · «مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ»: ولم يقل: (من علَّق) لأنَّه علَّقها وتعلَّق قلبه بها، فمن تعلَّق بالله تعالى فهو حسبه، ومن تعلَّق بغير الله تعالى خُذِل.
- لا ينبغي للإنسان أن يُعلِّق نفسه بالسَّبب، بل يعلِّقها بالله، فالمُوظَّف الَّذي يتعلَّق قلبه بمُرتَّبه تعلُّقًا كاملًا مع الغفلة عن المُسبِّب وهو الله، فقد وقع في نوعٍ من الشِّرك، أمَّا إذا اعتقد أنَّ المُرتَّب سببٌ، والمُسبِّب هو الله، فلا ينافي التَّوكُّل.
شروط الرُّقية الشَّرعيَّة:
| أن تكون من الكتاب أوالسُّنَّة، أو يدعو بأسماء الله وصفاته. | أن تكون بكلامٍ: مفهومٍ، مسموعٍ، ومعلومٍ، باللُّغة العربيَّة. | أن يعتقد أنَّها سببٌ شرعيٌّ لا تنفع إلَّا بإذن الله. |
إذا اختلَّ شرطٌ من هذه الشُّروط أصبحت رقيةً غير شرعيَّةٍ، وليس هناك رقيةٌ بغير العربيَّة، إلَّا إذا كان من باب الدُّعاء فيصحُّ أن يدعو بغير اللُّغة العربيَّة بشرط ألَّا يغيِّر الأسماء الحسنى؛ لأنَّها توقيفيَّةٌ (والأسماء تُحكى كما هي في كلِّ اللُّغات).
التَّمَائِمُ: شَيْءٌ يُعَلَّقُ عَلَى الأَوْلادِ عَنِ الْعَيْنِ؛ لَكِنْ إِذَا كَانَ الْـمُعَلَّقُ مِنَ الْقُرْآنِ فَرَخَّصَ فِيهِ بَعْضُ السَّلَفِ، وَبَعْضُهُمْ لَمْ يُرَخِّصْ فِيهِ، وَيَجْعَلْهُ مِنَ الْـمَنْهِيِّ عَنْهُ؛ مِنْهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ ﭬ.
وَالرُّقَى: هِيَ الَّتِي تُسَمَّى الْعَزَائِمَ، وَخَصَّ مِنْهُ الدَّلِيلُ مَا خَلَا مِنَ الشِّرْكِ، فَقَدْ رَخَّصَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْعَيْنِ وَالْـحُمَةِ.
وَالتِّوَلَةُ: شَيْءٌ يَصْنَعُونَهُ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ يُحَبِّبُ الْـمَرْأَةَ إِلَى زَوْجِهَا، وَالرَّجُلَ إِلَى امْرَأَتِهِ.
من التِّولة خاتم الدُّبلة:
| شركٌ أكبر إذا اعتقد أنَّه مؤثِّرٌ بذاته، وبيده جلب المنافع ودفع المضارِّ. | شركٌ أصغر إذا اعتقد أنَّه سببٌ في بقاء العلاقة الزَّوجيَّة. | محرَّمٌ وهذا أقلُّ أحواله؛ لأنَّه من عادات النَّصارى، لأنَّهم يعتقدون بوضعه عقيدة التَّثليث، وفيه محذورٌ إن كان من ذهبٍ للرِّجال. |
الدَّليل الرَّابع:
وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ رُوَيْفِعٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَا رُوَيْفِعُ، لَعَلَّ الْـحَيَاةَ سَتَطُولُ بِكَ، فَأَخْبِرِ النَّاسَ أَنَّ مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ، أَوْ تَقَلَّدَ وَتَرًا، أَوِ اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ أوْ عَظْمٍ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ بَرِيءٌ مِنْهُ».
- · «أَنَّ مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ»: إمَّا من باب التَّكبُّر أو من باب جعلها سببًا لدفع العين.
- «تَقَلَّدَ وَتَرًا»: الوتر: سلكٌ من العصب يُؤخَذ من الشَّاة، يُستعمَل لدفع العين.
- «أَوِ اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ»: إزالة أثر الخارج من السَّبيلين بروث الدَّوابِّ.
- «أوْ عَظْمٍ»: هو طعام الجنِّ، والرَّوث علف بهائم الجنِّ.
الدَّليلان الخامس والسَّادس:
[5] وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: «مَنْ قَطَعَ تَمِيمَةً مِنْ إِنْسَانٍ كَانَ كَعَـِدْلِ رَقَبَةٍ». رَوَاهُ وَكِيعٌ.
[6] وَلَهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ: «كَانُوا يَكْرَهُونَ التَّمَائِمَ كُلَّهَا؛ مِنَ الْقُرْآنِ وَغَيْرِ الْقُرْآنِ».
· «كَانَ كَعَـِدْلِ رَقَبَةٍ»: لأنَّه أعتقه من عبوديَّة الشَّيطان الَّتي فيها الشِّرك، وهذا أعلى من عتقه من عبوديَّة الإنسان، لكن يقطعها بالَّتي هي أحسن.
لماذا نحكم بتحريم التَّمائم من القرآن؟
| كراهة بعض السَّلف لها، والكراهة عند السَّلف تعني التَّحريم. | لدخولها تحت قوله ﷺ: «إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ». | قد نفتح باب شرٍّ لأنَّ البعض قد يظنُّ أنَّ التَّمائم كلَّها جائزةٌ حتَّى من غير القرآن. | لأنَّ فيها امتهانًا للقرآن، فقد يدخل بها الحمام أو تصيبها النَّجاسة. |
المسائل:
الْأُولَى: تَفْسِيرُ الرُّقَى وَالتَّمَائِمِ.
الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ التِّوَلَةِ.
الثَّالِثَةُ: أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ كُلَّهَا مِنَ الشِّرْكِ مِنْ غَيْرِ استثناءٍ.
الرَّابِعَةُ: أَنَّ الرُّقْيَةَ بِالْكَلَامِ الْحَقِّ مِنَ الْعَيْنِ وَالْحُمَةِ لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ (وكذلك يشمل غيرهما كالسِّحر).
الْخَامِسَةُ: أَنَّ التَّمِيمَةَ إِذَا كَانَتْ مِنَ الْقُرْآنِ؛ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ؛ هَلْ هِيَ مِنْ ذَلِكَ أَمْ لا؟ (والأحوط مذهب ابن مسعودٍ ﭬ؛ لأنَّ الأصل عدم المشروعيَّة).
السَّادِسَةُ: أَنَّ تَعْلِيقَ الْأَوْتَارِ عَلَى الدَّوَابِ مِنَ الْعَيْنِ مِنْ ذَلِكَ (من الشِّرك).
السَّابِعَةُ: الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ عَلَى مَنْ تَعَلَّقَ وَتَرًا.
الثَّامِنَةُ: فَضْلُ ثَوَابِ مَنْ قَطَعَ تَمِيمَةً مِنْ إِنْسَانٍ.
التَّاسِعَةُ: أَنَّ كَلَامَ إِبْرَاهِيمَ لَا يُخَالِفُ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الِاخْتِلَافِ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُ أَصْحَابُ عَبْدِاللهِ بْنِ مَسْعُودٍ (وليس مُراده الصَّحابة ﭫ، ولا التَّابعين عمومًا).