لماذا جاء المصنِّف رحمه الله بهذا الباب؟
- لبطلان شفاعة الأصنام؛ لأنَّ الكفَّار يعتقدون أنَّها تشفع عند الله.
- لأنَّ الله كامل العلم والقدرة والسُّلطان، ليس كملوك الدُّنيا فهم بحاجةٍ إلى شفعاء لقصور علمهم وسلطانهم ونقص قدرتهم، فيساعدهم الشُّفَعاء في ذلك، فيتجرَّأ عليهم الشُّفعاء، فيشفعون بدون استئذان.
الأدلَّة الأوَّل إلى الخامس:
[1] وَقَوْلِ اللهِ تعالى : ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ ۙ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾.
[2] وَقَوْلِـهِ: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا ۖ﴾.
[3] وَقَوْلِـهِ: ﴿ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ ﴾.
[4] وَقَوْلِـهِ: ﴿۞ وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَىٰ ﴾.
[5] وَقَوْلِـهِ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ ۖ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ۚ ﴾.
- · ﴿وَأَنذِرْ بِهِ﴾: الإنذار هو الإعلام المتضمِّن للتَّخويف، والمعنى ينذر بالقرآن.
- ﴿ وَكَم مِّن مَّلَكٍ ﴾: يعني: ما أكثر الملائكة الَّذين في السَّماء، ومع ذلك لا تغني شفاعتهم شيئًا إلَّا بعد إذن الله ورضاه عن الشَّافع والمشفوع له.
- · ﴿ادْعُوا﴾: للتَّحدِّي والتَّعجيز، بمعنى: أحضروهم أو ادعوهم دعاء مسألةٍ.
- · ﴿مِن شِرْكٍ﴾: أي لا يملكون انفرادًا ولا مشاركةً.
- · ﴿ مِّن ظَهِيرٍ ﴾: نفى عن الأصنام أن تكون مُعينةً، والظَّهير هو المُعين.
- ينتفي عن هذه الأصنام كلُّ ما يتعلَّق به العابدون؛ فهي لا تملك شيئًا على سبيل الانفراد ولا المشاركة ولا الإعانة؛ لأنَّ من يعينك وإن كان غير شريكٍ لك يكون له منَّةٌ عليك؛ فربَّما تحابيه في إعطائه ما يُريد، فإذا انتفت هذه الأمور الثَّلاثة؛ لم يبقَ إلَّا الشَّفاعة، وقد أبطلها الله، فلا تنفع شفاعة هؤلاء.
- وهذه الآية والَّتي تليها قال عنها ابن القيم $ تعالى: (هي الآية الَّتي تقطع عروق شجرة الشِّرك من القلب).
أقسام الشَّفاعة (هي التَّوسُّط للغير بجلب منفعةٍ أو دفع مضرَّةٍ)
| مثبتةٌ أثبتها الله تعالى لنفسه، وتُطلب منه بشروطٍ: · الإذن بالشَّفاعة. · الرِّضا عن الشَّافع. · الرِّضا عن المشفوع له. | منفيَّةٌ هي الَّتي نفاها القرآن، وهي الَّتي تُطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلَّا الله، وهي الَّتي فيها الشِّرك الأكبر. | فيما يقدر عليه العبد وهذه تصحُّ بشرط أن يكون الشَّافع: · حيًّا. · قادرًا. · حاضرًا. · سببًا. |
﴿۞ وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَىٰ ﴾.
| خاصَّةٌ بالنَّبيِّ ﷺ لا يشاركه فيها أحدٌ: · الشَّفاعة العظمى، وهي المقام المحمود الذي وعده الله. · شفاعته ﷺ في عمِّه أبي طالبٍ أن يُخفَّف عنه العذاب. · شفاعته ﷺ في فتح أبواب الجنَّة لأهلها. | عامَّةٌ للنَّبيِّ ﷺ ولجميع الأنبياء والملائكة والموحِّدين والأفراط (الأطفال الصِّغار): · الشَّفاعة في رفع درجات المؤمنين. · الشَّفاعة فيمن استحقَّ النَّار من الموحِّدين أن لا يدخلها. · الشَّفاعة فيمن دخل النَّار من الموحِّدين أن يخرج منها. |
قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: «نَفَى اللهُ عَمَّا سِوَاهُ كُلَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْـمُشْرِكُونَ، فَنَفَى أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ مِـُلْكٌ، أَوْ قِسْطٌ مِنْهُ، أَوْ يَكُونَ عَوْنًا للهِ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الشَّفَاعَةُ، فَبَيَّنَ أَنَّهَا لَا تَنْفَعُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّبُّ، كَمَا قَالَ: ﴿ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ ﴾.
فَهٰذه الشَّفَاعَةُ الَّتِي يَظُنُّهَا الْـمُشْرِكُونَ هِيَ مُنْتَفِيَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا نَفَاهَا الْقُرْآنُ، وَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ يَأْتِي فَيَسْجُدُ لِرَبِّهِ وَيَحْمَدُهُ - لَا يَبْدَأُ بِالشَّفَاعَةِ أَوَّلًا - ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: «ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ».
وَقَالَ لَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ؟ قَالَ: «مَنْ قَالَ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ»، فَتِلْكَ الشَّفَاعَةُ لأَهْلِ الإِخْلَاصِ بِإِذْنِ اللهِ، وَلَا تَكُونُ لِمَنْ أَشْرَكَ بِاللهِ.
وَحَقِيقَتُهُ: أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي يَتَفَضَّلُ عَلَى أَهْلِ الإِخْلَاصِ، فَيَغْفِرُ لَهُمْ بِوَاسِطَةِ دُعَاءِ مَنْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَشْفَعَ لِيُكْرِمَهُ، وَيَنَالَ الْـمَقَامَ الْـمَحْمُودَ.
فَالشَّفَاعَةُ الَّتِي نَفَاهَا الْقُرْآنُ مَا كَانَ فِيهَا شِرْكٌ، وَلِهٰذا أَثْبَتَ الشَّفَاعَةَ بِإِذْنِهِ فِي مَوَاضِعَ، وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهَا لَا تَكُونُ إِلَّا لِأَهْلِ التَّوْحِيدِ وَالإِخْلاصِ». انْتَهَى كَلامُهُ.
المسائل:
الْأُولَى: تَفْسِيرُ الْآيَاتِ (وهي خمسٌ).
الثَّانِيَةُ: صِفَةُ الشَّفَاعَةِ الْمَنْفِيَّةِ (وهي ما كان فيها شركٌ).
الثَّالِثَةُ: صِفَةُ الشَّفَاعَةِ الْمُثْبَتَةِ (وهي شفاعة أهل التَّوحيد بعد إذن الله -جلَّ وعلا- ورضاه عن الشَّافع والمشفوع).
الرَّابِعَةُ: ذِكْرُ الشَّفَاعَةِ الْكُبْرَى، وَهِيَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ (لأهل الموقف للقضاء بينهم).
الْخَامِسَةُ: صِفَةُ مَا يَفْعَلُهُ ﷺ أَنَّهُ لَا يَبْدَأُ بِالشَّفَاعَةِ، بَلْ يَسْجُدُ، فَإِذَا أُذِنَ لَهُ شَفَعَ (وهذا يدلُّ على عظمة الرَّبِّ تعالى، وكمال أدب النَّبيِّ ﷺ).
السَّادِسَةُ: مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِهَا؟ (أهل التَّوحيد والإخلاص).
السَّابِعَةُ: أَنَّهَا لَا تَكُونُ لِمَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ.
الثَّامِنَةُ: بَيَانُ حَقِيقَتهَا (أنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي يَتَفَضَّلُ عَلَى أَهْلِ الإِخْلَاصِ، فَيَغْفِرُ لَهُمْ بِوَاسِطَةِ دُعَاءِ مَنْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَشْفَعَ لِيُكْرِمَهُ، وَيَنَالَ الْـمَقَامَ الْـمَحْمُودَ).