[49] بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَٰذَا لِي ﴾ الآيَةَ
قالَ مُجاهِدٌ: «هٰذا بِعَمَلي، وأَنا مَحْقوقٌ بهِ»، وقالَ ابنُ عبَّاسٍ: «يريدُ من عِنْدي».
أنَّ الإنسان إذا أضاف النِّعمة إلى عمله وكسبه ففيه نوعٌ من الإشراك في الرُّبوبيَّة، وإذا أضافها إلى الله لكنَّه زعم أنَّه مُستَحِقٌّ لذلك وأنَّ ما أعطاه الله ليس محض تَفضُّلٍ لكن لأنَّه أهلٌ؛ ففيه نوعٌ من التَّعلِّي والتَّرفُّع في جانب العُبوديَّة.
الدَّليلان الثَّاني والثَّالث:
[2] وَقَوْلِهِ: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي ۚ ﴾، قَالَ قَتَادَةُ: «عَلَى عِلْمٍ مِنِّي بِوجُوهِ الْـمَكَاسِبِ»، وَقَالَ آخَرونَ: «عَلى عِلْمٍ مِنَ اللهِ أنِّي لَهُ أهْلٌ»، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ: «أُوتِيتُهُ عَلَى شَرَفٍ».
[3] وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﭬ؛ أنَّهُ سِمَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُوْلُ: «إِنَّ ثَلَاثَةً مِنْ بَني إِسْرَائِيلَ: أَبْرَصَ وَأَقْرَعَ وَأَعْمَى، فأَرَادَ اللهُ أنْ يَبْتَليَهُمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا، فَأتَى الأَبْرَصَ، فَقَالَ: فَأيُّ شَيءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: لَوْنٌ حَسَنٌ، وَجِلْدٌ حَسَنٌ، وَيَذْهبُ عَنِّي الَّذي قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ بِهِ، قَالَ: فَمَسَحَهُ، فَذَهَبَ عَنْهُ قَذَرُهُ؛ فأُعطيَ لَوْنًا حَسَنًا، وَجِلْدًا حَسَنًا، قَالَ: فَأَيُّ الْـمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الإِبِلَ أَوِ البَقَر - شَكَّ إِسْحَاقُ - فأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَـرَاءَ، فَقَالَ: بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيهَا.قَالَ: فأَتَى الأَقْرَعَ، فَقَالَ: أَيُّ شيءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: شَعَرٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي الَّذي قَدْ قَذِرنِي النَّاسُ بِهِ، فَمَسَحهُ، فَذَهبَ عنْهُ، وَأُعطِـيَ شَعْـَـرًا حَسَنًا، قَالَ: فَأيُّ الْـمَالِ أَحَبُّ إِليْكَ؟ قَالَ: البَقَرُ أوِ الإِبِلُ، فأُعطِيَ بقَرةً حامِلًا، قَالَ: بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيهَا.فأَتَى الأَعْمَى، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قالَ: أن يَرُدَّ اللهُ إِلَيَّ بَصَرِي؛ فَأُبْصِرَ بِهِ النَّاسَ، فَمَسَحَهُ، فَرَدَّ اللهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ، قَالَ: فَأَيُّ الْـمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ، قالَ: الغَنَم، فأُعطِيَ شاةً وَالِدًا. فأُنْتِجَ هَذَانِ وَوَلَّد هَذَا، فَكَانَ لِهَذَا وَادٍ مِنَ الإِبِلِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ البَقَرِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الغَنَمِ. قَالَ: ثُمَّ إِنَّه أَتَى الأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكينٌ، وَابْنُ سَبيلٍ، قَدِ انقَطَعتْ بِيَ الْحِبَالُ في سَفَريِ هَذَا؛ فَلَا بلَاغَ لِيَ اليَوْمَ إِلَّا بِاللهِ ثُمَّ بكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّونَ الْـحَسَنَ، وَالْجِلْدَ الْحسَنَ، وَالْـمَالَ؛ بَعِيرًا أتَبلَّغُ بِهِ فِي سَفَرِي، فَقَالَ: الْـحُقُوقُ كَثِيرَةٌ، فَقَالَ لَهُ: كَأَنِّي أَعْرِفُكَ! أَلَمْ تَكُنْ أبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ، فَقِيْرًا فَأَعطاكَ اللهُ الْـمَالَ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا وَرِثْتُ هَذَا الْـمَالَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، قَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا؛ فَصَيَّرَكَ اللهُ إِلَى مَا كُنْتَ. قَالَ: وَأَتَى الأَقْرَعَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا، وَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَيْهِ هَذَا، فَقَالَ لَهُ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللهُ إِلَى مَا كُنْتَ. قَالَ: وَأَتَى الأَعْمَى فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ، وَابْنُ سَبِيلٍ، قَدِ انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي؛ فَلَا بَلَاغَ لِيَ اليَوْمَ إِلَّا بِاللهِ ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ شَاةً أتَبلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللهُ إلَيَّ بَصَرِي؛ فَخُذْ مَا شِئْتَ، وَدَعْ مَا شِئْتَ؛ فَوَاللهِ لَا أَجْهَدُكَ اليَوْمَ بِشَيءٍ أَخَذْتَهُ للهِ. فَقَالَ: أَمْسِكْ مَالَكَ، فَإِنَّمَا ابْتُلِيْتُمْ فَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنْكَ، وَسَخِطَ عَلى صَاحِبَيْكَ». أَخْرَجَاهُ.
- في هذا الحديث من العِبَر شيءٌ كثيرٌ جدًّا، منها :
- القصص تأتي في الكتاب والسُّنَّة لأجل الاعتبار والاتِّعاظ.
- بيان قدرة الله بإبراء الأبرص والأقرع والأعمى بمُجرَّد مسح المَلَك لهم.
- أنَّ الملائكة يتشكَّلون حتَّى يكونوا على صورة البشر، لكن بأمر الله لهم.
- أنَّ الملائكة أجسامٌ وليسوا أرواحًا أو معاني أو قوًى فقط.
- حرص الرُّواة على نقل الحديث بلفظه.
- أنَّ الإنسان لا يلزمه الرِّضا بالمَقضيِّ، ويجب عليه الرِّضا بالقضاء الَّذي هو فعل الله، ففرقٌ بين فعل الله والمَقضيِّ، والمَقضيُّ ينقسم إلى مصائب لا يلزم الرِّضا بها، وإلى أحكامٍ شرعيَّةٍ يجب الرِّضا بها.
- جواز الدُّعاء المُعلَّق.
- جواز التَّنزُّل مع الخصم فيما لا يُقرُّ به المُتنزِّل لأجل إفحام الخصم.
- أنَّ بركة الله لا نهاية لها، ولهذا كان لهذا وادٍ من الإبل.
- بيان أنَّ شكر كلِّ نعمةٍ بحسبها.
- جواز أن يتمثَّل الإنسان بحالٍ ليس هو عليها في الحقيقة.
- أنَّ الابتلاء قد يكون عامًّا وظاهرًا، وقصَّتهم مَشهورةٌ.
- فضيلة الورع والزُّهد، وأنَّه قد يجرُّ صاحبه إلى ما تُحمَد عُقباه، كالأعمى.
- ثُبوت الإرث في الأمم السَّابقة.
- أنَّ من صفات الله الرِّضا والسَّخط والإرادة، فنثبتها لله على الوجه اللَّائق به.
- أنَّ الصُّحبة تُطلق على المُشاكلة في شيءٍ من الأشياء ولا يلزم منها المُقارنة.
- اختبار الله للنَّاس بما أنعم عليهم به.
- أنَّ التَّذكير قد يكون بالأقوال أو الأفعال أو الهيئات.
المسائل:
الأُولَى: تَفْسِيرُ الْآيَةِ (﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ ﴾).
الثَّانِيَةُ: مَا مَعْنَى: ﴿ لَيَقُولَنَّ هَٰذَا لِي﴾؟ (أي إنِّي حقيقٌ به وجديرٌ به)
الثَّالِثَةُ: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي ۚ ﴾.
الرَّابِعَةُ: مَا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ الْعَجِيبَةِ مِنَ الْعِبَرِ الْعَظِيمَةِ (ومن ذلك الفرق بين الأبرص والأقرع والأعمى؛ فإنَّ الأبرص والأقرع جَحَدَا نعمة الله بعد وجود النِّعمة، وقبل النعِّمة لم يكن التَّعلُّق بالله، أمَّا الأعمى فاعترف بنعمة الله بعد وجود النِّعمة وتعلَّق بالله قبلها، قال ابن القيم: وليحذر كلَّ الحذر من طغيان (أنا، ولي، وعندي)، فإنَّ هذه الألفاظ ابتُلي بها إبليس، وفرعون، وقارون، فـ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ ﴾ لإبليس، و﴿لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ لفرعون، و﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي ۚ ﴾ لقارون، وأحسن ما وضعت (أنا) في قول العبد المذنب المخطئ المستغفر المعترف ونحوه، و(لي) في قوله: لي الذَّنب، ولي الجرم، ولي المسكنة، ولي الفقر والذُّلُّ، و(عندي) في قوله: «اغْفِرْ لِي جِدِّي وَهَزْلِي، وَخَطَئِي وَعَمْدِي، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي»).