[42] بَابُ قول الله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ (تفسير النِّدِّ)
لا تجعلوا له أندادًا في العبادة وأنتم تعلمون أنَّه لا أنداد له في الرُّبوبيَّة، وهذه الآية فيها أوَّل أمرٍ ونداءٍ بالتَّوحيد وأوَّل نهيٍ عن الشِّرك في القرآن.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الآيَةِ: (الأَنْدَادُ؛ هُوَ الشِّرْكُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ عَلَى صَفَاةٍ سَوْدَاءَ فِي ظُلْـمَةِ اللَّيْلِ، وَهُوَ أَنْ تَقُولَ: وَاللهِ وَحَيَاتِكِ يَا فُلَانَةُ، وَحَيَاتِي، وَتَقُولَ: لَوْلَا كُلَيْبَةُ هَذَا لأَتَانَا اللُّصُوصُ، وَلَوْلَا الْبَطُّ فِي الدَّارِ لأَتَى اللُّصُوصُ، وَقَوْلُ الرَّجُلِ لِصَاحِبِهِ: مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ، وَقَوْلُ الرَّجُلِ: لَوْلَا اللهُ وَفُلَانٌ، لَا تَجْعَلْ فِيهَا فُلَانًا؛ هَذَا كُلُّهُ بِهِ شِرْكٌ). رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
· «أَخْفَى مِنْ...»: وهذا أبلغ ما يكون في الخفاء، فإذا كان الشِّرك في قلوب بني آدم أخفى من هذا؛ فنسأل الله أن يعيننا على التَّخلُّص منه.
الدَّليل الثَّاني:
وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْـخَطَّابِ ﭬ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَصَحَّحَهُ الْـحَاكِمُ.
الدَّليل الثَّالث:
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: (لَأَنْ أَحْلِفَ بِاللهِ كَاذِبًا؛ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِهِ صَادِقًا).
- · «كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ»: كفرًا أو شركًا أكبر إن اعتقد أنَّ المَحلوف به مساوٍ لله في التَّعظيم والعظمة، وإلَّا فهو أصغر.
- ابن مسعودٍ ﭬ لا يحبُّ هذا ولا هذا، لكنَّ سيِّئة الشِّرك أعظم من سيِّئة الكذب؛ لأنَّ الشِّرك لا يُغفر.
الدَّليل الرَّابع:
وَعَنْ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ فُلَانٌ، وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.
الدَّليل الخامس:
وَجَاءَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ يَكْرَهُ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: (أَعُوذُ بِاللهِ وَبِكَ)، وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: (بِاللهِ ثُمَّ بِكَ)، قَالَ: وَيَقُولُ: (لَوْلَا اللهُ ثُمَّ فُلَانٌ)، وَلا تَقُولُوا: (لَوْلَا اللهُ وَفُلَانٌ).
· «وَلَكِنْ قُولُوا»: الشَّرع إذا أغلق باب المُحرَّم فتح باب الجواز، حتَّى يسهل ترك المُحرَّم، وحتَّى نعلم سموَّ الشَّريعة.
المسائل:
الْأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ الْبَقَرَةِ فِي الْأَنْدَادِ.
الثَّانِيَةُ: أَنَّ الصَّحَابَةَ ﭫ يُفَسِّرُونَ الْآيَةَ النَّازِلَةَ فِي الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ أَنَّهَا تَعُمُّ الْأَصْغَرَ(لأنَّ النِّدَّ يشمل النَّظير المساوي على سبيل الإطلاق أو في بعض الأمور).
الثَّالِثَةُ: أَنَّ الْـحَلِفَ بِغَيْرِ اللهِ شِرْكٌ (كقولهم: بحياتك، بحياتي، بذمَّتك، في ذمَّتي، بذمَّتي، في رقبتي، في لحيتي، في وجهي، والنَّبيِّ، بشرفي، بالكعبة، بصلاتك، بصيامك، بعُمُرِك، بالعون، أو يقول في حلفه: هو يهوديٌّ أو نصرانيٌّ أو كافرٌ إن فعل كذا).
الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ إِذَا حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ صَادِقًا فَهُوَ أَكْبَرُ مِنَ الْيَمِينِ الْغَمُوسِ (وهي أن يحلف بالله كاذبًا ليقتطع بها مال امرئٍ مسلمٍ).
الْـخَامِسَةُ: الْفَرَقُ بَيْنَ (الْوَاوِ) و(ثُمَّ) فِي اللَّفْظِ (لأنَّ الواو تقتضي المساواة فتكون شركًا، وثمَّ تقتضي التَّرتيب والتَّراخي فلا تكون شركًا، كقولهم: أنا بالله وبك، وأنا في حسب الله وحسبك، وما لي إلَّا الله وأنت، وأنا مُتوَكِّلٌ على الله وعليك، وهذا من الله ومنك، والله لي في السَّماء وأنت لي في الأرض، وأنا تائبٌ إلى الله وإليك).