[11] بَابٌ لَا يُذْبَحُ للهِ بِمَكَانٍ يُذْبَحُ فِيهِ لِغَيْرِ اللهِ
هذا الانتقال من المصنِّف رحمه الله من أحسن ما يكون؛ فبعد أن ذكر الذَّبح لغير الله، انتقل إلى عدم جواز الذَّبح لله في مكانٍ يُذبح فيه لغير الله، كمن أراد أن يضحِّي لله في مكانٍ يُذبح فيه لأوثانٍ، والحكمة من ذلك ما يلي:
- أنَّه يُؤدِّي إلى التَّشبُّه بالكُفَّار.
- أنَّه يُؤدِّي إلى الاغترار بهذا الفعل، ويظنُّ أنَّ فعل المشركين جائزٌ.
- أنَّ المشركين سوف يقوون على فعلهم، وهذا محظورٌ وإغاظتهم مَطلوبةٌ.
الدَّليل الأوَّل:
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ۚ ﴾ الآيَةَ.
سبب إيراد المصنِّف رحمه الله لهذه الآية:
لمَّا كان مسجد الضِّرار ممَّا اتُّخذ للمعاصي ضرارًا وكفرًا وإرصادًا وتفريقًا بين المؤمنين؛ نهى الله رسوله ﷺ أن يقوم فيه، مع أنَّ صلاته فيه لله؛ فدلَّ على أنَّ كلَّ مكانٍ يُعصى الله فيه أنَّه لا يُقام فيه، ولو بعد زواله، فالصَّلاة عبادةٌ والذَّبح أيضًا.
وقريبٌ من ذلك النَّهي عن الصَّلاة عند طلوع الشَّمس وغروبها؛ لأنَّهما وقتان يسجد فيهما الكُفَّار للشَّمس؛ فهذا باعتبار الزَّمن والوقت، والحديث باعتبار المكان.
الدَّليل الثَّاني:
عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ ﭬ قَالَ: نَذَرَ رَجُلٌ أَنْ يَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: «هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْـجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟»، قَالُوا: لَا، قَالَ: «فَهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟»، قَالُوا: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَوْفِ بِنَـذْرِكَ، فَإِنَّهُ لَا وَفَـاءَ لِنَـذْرٍ فِي مَعْصِيَـةِ اللهِ، وَلَا فِيمَـا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِهِمَا.
النَّذر: لغةً: العهد والإلزام، وشرعًا: إلزام المُكلَّف نفسه شيئًا غير واجبٍ.
| نذرٌ لغير الله (شركٌ أكبر): كالحلف بغير الله في اللَّفظ فقط، لا ينعقد (أي لا وفاء ولا كفَّارة فيه، وفيه التَّوبة إلى الله). |
نذرٌ لله:
نذرٌ عامٌّ: يدخل فيه كلُّ مسلمٍ ﴿ﭙ ﭚ﴾؛ لأنَّ المسلم نذر فعل الأوامر وترك المناهي.
نذرٌ خاصٌّ: كأن ينذر شيئًا بعينه.
| بعد التَّلفُّظ به: فيه الوفاء أو كفَّارة اليمين. | قبل التَّلفُّظ به:حكمه: محرَّمٌ لنهي النَّبيِّ ﷺ عنه، ولو كان خيرًا لنذر النَّبيُّ ﷺ . |
| طاعةٌ: يجب الوفاء به، وإن حنث فعليه كفَّارةٌ (مثاله: نذر صلاةً نافلةً). |
| معصيةٌ: يحرم الوفاء به ويجب الحنث والكفَّارة (مثاله: نذر فعلًا مُحرَّمًا كالغيبة). |
| مباحٌ: يُخيَّر بين فعله –أولى- أو الحنث مع الكفَّارة (مثاله: نذر لبس هذا الثَّوب). |
| اللِّجاج والغضب: كالمباح حكمًا، ويُقصد به معنى اليمين (مثل: نذرمغادرة البلد). |
| مكروهٌ: يُكره الوفاء به ويُستحبُّ الحنث ويكفِّر، (مثل: نذر الالتفات في الصَّلاة). |
| مطلقٌ: الَّذي لم يسمِّ صاحبه شيئًا، فيه الكفَّارة، (كقول: لله عليَّ نذرٌ، ويسكت). |
- إذا كان النَّذر لله تعالى فإنَّه ينعقد: فإمَّا أن يفي أو يحنث فتجب عليه الكفَّارة.
- إذا كان لغير الله تعالى لا ينعقد: فلا وفاء ولا كفَّارة، وفيه التَّوبة (شركٌ أكبر).
المسائل:
الْأُولَى: تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ۚ ﴾.
الثَّانِيَةُ: أَنَّ المَعْصِيَةِ قَدْ تُؤَثِّرُ فِي الأَرْضِ، وَكَذَلِكَ الطَّاعَةُ (لمَّا كانت هذه الأرض مكان شركٍ؛ حرُم أن يعمل الإنسان ما يشبه الشِّرك فيها لمشابهة المشركين).
الثَّالِثَةُ: رَدُّ المَسْأَلَةِ المُشْكِلَةِ إِلَى المَسْأَلَةِ البَيِّنَةِ؛ لِيَزُولَ الإِشْكَالُ.
الرَّابِعَةُ: اسْتِفْصَالُ المُفْتِي إِذَا اِحْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ (أو يفصِّل في الجواب).
الْخَامِسَةُ: أَنَّ تَخْصِيصَ البُقْعَةِ بِالنَّذْرِ لَا بَأْسَ بِهِ إِذَا خَلَا مِنَ المَوَانِعِ (لكن لو خُشي أنَّ العَوامَّ يعتقدون أنَّ في هذا المكان مزيَّةً؛ لكان ممنوعًا).
السَّادِسَةُ: المَنْعُ مِنْهُ إِذَا كَانَ فِيهِ وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الجَاهِلِيَّةِ، وَلَوْ بَعْدَ زَوَالِهِ.
السَّابِعَةُ: المَنْعُ مِنْهُ إِذَا كَانَ فِيهِ عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ، وَلَوْ بَعْدَ زَوَالِهِ.
الثَّامِنَةُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الوَفَاءُ بِمَا نَذَرَ فِي تِلْكَ البُقْعَةِ لِأَنَّهُ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ.
التَّاسِعَةُ: الحَذَرُ مِنْ مُشَابَهَةِ المُشْرِكِينَ فِي أَعْيَادِهِمْ، وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْهُ (نصَّ شيخ الإسلام على أنَّ حصول التَّشبُّه لا يُشتَرط فيه القصد، لكنَّه مع القصد يكون أشدَّ إثمًا).
الْعَاشِرَةُ: لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ (المعنى أنَّ النَّذر ينعقد، ولكن لا يُوفَّى).
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: لَا نَذْرَ لِابْنِ آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ (أي: لا وفاء، وما لا يملكه قسمان:
[1] شرعًا: كما لو قال: لله عليَّ نذرٌ أن أعتق عبد فلانٍ، فلا يصحَّ لأنَّه لا يملكه.
[2] قدرًا: كما لو قال: لله عليَّ نذرٌ أن أطير بيديَّ؛ فلا يصحُّ لأنَّه لا يملكه).
كفَّارة النَّذر لله ككفارة اليمين:
- يُخيَّر بين: عتق رقبةٍ مسلمةٍ، أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم.
- فإن لم يجد ينتقل إلى صيام ثلاثة أيَّامٍ متتابعةٍ.