[63] بَابُ مَا جَاءَ فِي ذِمَّةِ اللهِ وَذِمَّةِ نَبِيِّهِ (الإخلاص والمتابعة)
عدم الوفاء بعهد الله تَنَقُّصٌ له، وهذا مُخِلٌّ بالتَّوحيد، فتعظيم الله يجب أن يكون في التَّعامل مع النَّاس ولو كانوا كُفَّارًا، ولو في أصعب الحالات، وهو الجهاد في سبيل الله، فيُحكِّم الشَّريعة، ويُعظِّم ذمَّة الله وذمَّة نبيِّه ﷺ.
الدَّليلان الأوَّل والثَّاني:
[1] وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ﴾ الآيَةَ.
[2] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللهِ، وَبِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْـمُسْلِمِينَ خَيْرًا، فَقَالَ: «اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ، قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْـمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ – أَوْ: خِلَالٍ – فَأَيَّتَهُنَّ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْـمُهَاجِرِينَ، وَأَخْبِرْهُم أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْـمُهَاجِرِينَ، وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْـمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا؛ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْـمُسْلِمِينَ، يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللهِ تَعَالَى، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ؛ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْـمُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْأَلْهُمُ الْـجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَقَاتِلْهُمْ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ؛ فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ، وَلَكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ، فَإِنَّكُمْ إِنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكُمْ؛ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ؛ فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللهِ فِيهِمْ أَمْ لَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
- · «جَيْشٍ»: الجيش ما زاد على أربعمائة رجلٍ.
- · «أَوْ سَرِيَّةٍ»: السَّريَّة دون الأربعمائة.
- · «اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ»: [1] مُستَعينين بالله، [2] افتتحوا الغزو باسم الله.
- · «فِي سَبِيلِ اللهِ»: تشمل النِّيَّة والعمل.
- · «مَنْ كَفَرَ بِاللهِ»: لا تقاتل النَّاس عصبيَّةً أو قوميَّةً أو وطنيَّةً، قاتلهم لمصلحتهم وهي إنقاذهم من النَّار، والكفر مداره على أمرين: الجحود والاستكبار.
- · «وَلَا تَغُلُّوا»: أن يكتم شيئًا من الغنيمة فيختصُّ به، وهو من الكبائر.
- · «وَلَا تَغْدِرُوا»: إذا عهدنا لا نخون، والغدر بلا عهدٍ يجوز؛ لأنَّ الحرب خدعة.
- · «وَلَا تُمَثِّلُوا»: التَّشويه بقطع بعض الأعضاء لا حاجة إليه؛ لأنَّه انتقامٌ في غير محلِّه، إلَّا إذا مثَّلوا بنا.
- · «وَلِيدًا»: فلا نقتل الصِّغار ولا النِّساء ولا الشُّيوخ ولا العُبَّاد ولا المرضى، إلَّا أن يقاتلوا أو يُحرِّضوا على القتال، أو يكون لهم رأيٌ في الحرب.
- · «عَدُوَّكَ»: تَهييجًا لقتالهم، والعدوُّ يُخذِّلك ويبتعد عنك ويتعدَّى عليك.
- · «الْغَنِيمَةِ»: ما أُخذ من أموال الكُفَّار بقتالٍ أو ما أُلحق به.
- · «وَالْفَيْءِ»: ما يُصرف لبيت المال، كـ: خُمس خُمس الغنيمة، والخراج، والجزية.
- · «إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا»: إذا أسلموا وجاهدوا فلهم ما للمسلمين من الغنيمة والفيء.
- · «الْـجِزْيَةَ»: هي مالٌ مدفوعٌ من غير المسلم عوضًا عن حمايته وإقامته بدار المسلمين، وفيه جواز أخذ الجزية من غير اليهود والنَّصارى والمجوس.
ما نفعله مع المُعاهَدين:
| يجب الوفاء بالعهد إذا استقاموا هم عليه: ﴿ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ۚ ﴾. | إذا نقضوا العهد يسقط العهد ويحلُّ قتالهم: ﴿وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ ﴾. | إذا تردَّدنا في العهد نردُّه عليهم : ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ ﴾. |
| ما يفعله المسلمون في جهادهم للكُفَّار | ما يفعله الكُفَّار عند قتالهم للمسلمين |
| تحريم قتل الأطفال والنِّساء والعباد والمرضى. | قتل الأطفال والنِّساء والعباد والمرضى. |
| قتالهم لمصلحتهم (إنقاذهم من النَّار). | قتالهم للدُّنيا. |
| يوفون لهم بالعهود. | كثيرًا ما ينقضون العهود. |
| إذا نقض الكُفَّار العهد نبَّهوهم على انتهاء العهد. | لا يحصل منهم التَّنبيه إذا حصل شيءٌ من المسلمين. |
| لا يغدرون. | يغدرون. |
| لا يمثِّلون بالقتلى إلَّا إذا مُثِّل بقتلاهم. | يُمثِّلون بالقتلى دون أن يُمثَّل بقتلاهم. |
| لا يُقاتلونهم حتَّى يخيِّروهم بين الإسلام أو الجزية أو القتال. | لا دعوة عندهم أصلًا. |
| يعدلون في الحكم ولا يظلمون. | أحكامهم مَبنيَّةٌ على الظُّلم. |
| عدد القتلى من بعثته ﷺ إلى وفاته لم يتجاوز الألف في جميع الغزوات. | |
| لم يُقتل طفلٌ أو امرأةٌ أو شيخٌ. |
المسائل:
الْأُولَى: الْفَرْقُ بَيْنَ ذِمَّةِ اللهِ وَذِمَّةِ نَبِيِّهِ، وَذِمَّةِ الْـمُسْلِمِينَ.
الثَّانِيَةُ: الْإِرْشَادُ إِلَى أَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ خَطَرًا.
الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ: «اُغْزُوا بِاسْمِ اللهِ فِي سَبِيلِ اللهِ» (وجوب الغزو مع الاستعانة بالله والإخلاص والتَّمشِّي على شرعه).
الرَّابِعَةُ: قَوْلُهُ: «قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ» (وعلَّة قتالهم الكفر).
الْـخَامِسَةُ: قَوْلُهُ: «اِسْتَعِنْ بِاللهِ وَقَاتِلْهُمْ» (ولا يعتمد الإنسان على حوله وقوَّته).
السَّادِسَةُ: الْفَرْقُ بَيْنَ حُكْمِ اللهِ وَحُكْمِ الْعُلَمَاءِ.
السَّابِعَةُ: فِي كَوْنِ الصَّحَابِيِّ يَحْكُمُ عِنْدَ الْـحَاجَةِ بِحُكْمٍ؛ لَا يَدْرِي أَيُوَافِقُ حُكْمَ اللهِ أَمْ لَا؟ (وهذا ليس خاصًّا بالصَّحابة، بل حتَّى من بعدهم).