[28] بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّطَيُّرِ
- التَّطيُّر يُنافي التَّوحيد: [1] لأنَّ المُتطيِّر قطع توكُّله على الله، واعتمد على غير الله.
[2] لأنَّه تعلَّق بأمرٍ لا حقيقة له، بل هو وَهمٌ وتَخيُّلٌ، والتَّوحيد عبادةٌ واستعانةٌ.
- «التَّطيُّر» شرعًا: التَّشاؤم بمرئيٍّ أو مسموعٍ أو معلومٍ من زمانٍ أو مكانٍ:
- بمرئيٍّ مثل لو رأى طيرًا فتشائم لكونه موحشًا أو أسودَ.
- مسموعٍ مثل من هم بأمر فسمع أحدًا يقول لآخر: يا خسران؛ فيتشائم.
- معلوم: كالتَّشاؤُم ببعض الأيَّام أو الشُّهور أو السَّنوات أو بعض الأماكن.
الدَّليلان الأوَّل والثَّاني:
[1] وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
[2] وَقَوْلِهُ: ﴿قَالُوا طَائِرُكُم مَّعَكُمْ ۚ ﴾ الآيَةَ.
- · ﴿ طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ﴾: أي ما يصيبهم من الجدب والقحط من الله فهو الَّذي قدَّره ولا علاقة لموسى ڠ وقومه به، بل الأمر يقتضي أنهم سببٌ للبركة والخير.
- · ﴿ طَائِرُكُم مَّعَكُمْ ۚ ﴾: أي مُصاحبٌ لكم، فما يحصل لكم فإنَّه منكم ومن أعمالكم، فأنتم السَّبب في ذلك.
- لا مُنافاة بين الآيتين: فالأولى تدلُّ على أنَّ المُقدِّر لهذا الشَّيء هو الله، والثَّانية تُبيِّن سببه وهو أنَّه منهم؛ فهم في الحقيقة طائرهم معهم أي ملازمٌ لهم.
الدَّليلان الثَّالث والرَّابع:
[3] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَلَا هَامَةَ، وَلَا صَفَرَ». أَخْرَجَاهُ. زَادَ مُسْلِمٌ: «وَلَا نَوْءَ، وَلَا غُولَ».
[4] وَلَهُمَا عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ» قَالُوا: وَمَا الْفَأْلُ؟ قَالَ: «الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ».
- · «لَا عَدْوَى»: أراد أن يبطل اعتقاد الجاهليَّة في أنَّ المرض هو المؤثِّر بذاته، أوالمعنى: لا عدوى مؤثِّرةٌ بذاتها؛ بل هي سببٌ لانتقال المرض بإذن الله.
- · «وَلَا هَامَةَ»: طيرٌ يشبه البومة، أو هي البومة، يتطيَّرون بها.
- · «وَلَا صَفَرَ»: المقصود إمَّا:
- شهر صفر، كانت العرب يتشاءمون به، لا سيما في النِّكاح.
- أو داءٌ في البطن يصيب الإبل، وينتقل من بعيرٍ إلى آخر.
- أو النَّسيء، فيُؤخِّرون الحرمة إلى شهر صفر حتَّى يقاتلوا في شهر المُحرَّم.
- · «وَلَا نَوْءَ»: منازل القمر، كلُّ منزلةٍ لها نجمٌ، وكان العرب يتشاءمون بها، يقولون: هذا نجم نحس لا خير فيه، وبعضهم بالعكس يقولون هذا نجم سعود وخير.
- · «وَلَا غُولَ»: كانت العرب إذا سافروا تلوَّنت لهم الشَّياطين فتدخل في قلوبهم الرُّعب، فتجدهم يكتئبون ويمتنعون عن الذَّهاب إلى الوجه الَّذي أرادوا.
- الَّذي نفاه الرَّسول ﷺ هو تأثيرها، وليس المقصود بالنَّفي نفي الوجود، فالعبد ينطلق إلى ما يريد بانشراح صدر وتيسير واعتماد على الله، ولا يُسيء الظَّنَّ بالله.
- لا تعارض بين هذه النُّصوص وبين قوله ﷺ: «إِنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ...» لأنَّ:
- هذا الحديث من المُتَشابه، والنُّصوص في ذمِّ التَّطيُّر وأنَّه شركٌ من المُحكَم.
- الطِّيرة كلُّها مذمومةٌ، والَّذي بيده جلب المنافع ودفع المَضارِّ هو الله.
- يُشرع للعبد الفرار من قدر الله إلى قدر الله أخذًا بالأسباب، ولا يتطيَّر.
- الشُّؤم في الحديث يلحق من تشاءم بها، لا من توكَّل على الله ولم يتشاءم.
- كلُّ من خاف شيئًا غير الله سُلِّط عليه، كما أنَّ من أحبَّ مع الله غيره عُذِّب به، ومن رجا مع الله غيره خُذِل من جهته (ذكره ابن القيم $).
الدَّليل الخامس:
وَلِأَبِي دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: ذُكِرَتِ الطِّيَرَةُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: «أَحْسَنُهَا: الْفَأْلُ، وَلَا تَرُدُّ مُسْلِمًا، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ؛ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْـحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ».
الفرق بين:
| الفأل | والتَّطيُّر |
| كلُّ ما يُنشِّط الإنسان على شيءٍ مَحمودٍ من قولٍ أو فعلٍ مَرئيٍّ أو مَسموعٍ. | التَّشاؤم بمرئيٍّ أو مسموعٍ أو معلومٍ من زمانٍ أو مكانٍ. |
| يزيد في التَّوكُّل. | يُضعف التَّوكُّل. |
| حُكمه أنَّه مُستَحبٌّ. | [1] شركٌ أصغر إذا اعتقد أنَّها سببٌ [2] شركٌ أكبر إن اعتقد تأثيرها بنفسها. |
| فيه حسن ظنٍّ بالله تعالى. | فيه سوء ظنٍّ بالله تعالى. |
| هذا حال الموحِّد المُحقِّق للتَّوحيد. | هذا حال المُنافق والكافر. |
| يأتي بلا قصدٍ ولا تكلُّفٍ. | قد يأتي بقصدٍ مثل العيافة. |
| لا يكون ما تسمع أو ترى سببًا في مُضيِّك أو رجوعك، وإنَّما تفرح به وتنشط. | ما أمضاك أو ردَّك، بأن تعتمد على ما ترى أو تسمع ويكون ذلك سببًا لإقدامك. |
| يوجب التَّعلُّق بالله. | يوجب التَّعلُّق بالمُتَطَيَّر به. |
- مثال 1: شخصٌ أراد الزَّواج فلمَّا سأل عن اسم الفتاة، قيل له: هناء، فمضى في الزَّواج، وآخر سأل عن اسم الفتاة فقيل له: صخرة فتراجع، فكلاهما من باب التَّطيُّر؛ لأنَّ التَّطيُّر ما أمضاك أو ردَّك.
- مثال 2: شخصٌّ سأل عن اسم الفتاة بعد أن مضى في الزَّواج فلمَّا وجده سعادًا استبشر به، فهذا من باب الفأل؛ لأنَّه لم يكن سببًا في مضيِّه أو إحجامه، وإنَّما استبشر بعد أن مضى في الأمر.
- بعض النَّاس يفتح المصحف للتَّفاؤُل، فإذا نظر ذكر النَّار تشاءم، وإذا نظر الجنَّة قال: هذا فألٌ طيِّبٌ؛ فهذا مثل عمل الجاهليَّة الَّذين يستقسمون بالأزلام.
- · «عُقْبَةَ بْنِ عَامِر»: صوابه عروة بن عامرٍ.
- · «وَلَا تَرُدُّ مُسْلِمًا»: يُفهم منه أنَّ من ردَّته الطِّيرة عن حاجته؛ فليس بمسلمٍ.
- · «وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ»: الباء هنا إمَّا: [1] بمعنى في، [2] أو للاستعانة، [3] أو السَّببيَّة.
أقسام النَّاس مع الطِّيرة:
| لا تردُّه عن حاجته ويمضي متوكلًا على الله هذا هو حال المُوحِّد لله تعالى، وهذا هو الأصل. | يحجم ويستجيب للطِّيرة ويترك العمل : شركٌ أصغر باعتقادها سببًا، وأكبر باعتقادها مُؤثِّرةً بذاتها. | يمضي لكن مع قلقٍ وهَمٍّ وغَمٍّ يخشى من تأثير هذا الـمُتَطَيَّر به: فهذا آثمٌ. |
الدَّليل السَّادس إلى الثَّامن:
[6] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: «الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، وَمَا مِنَّا إِلَّا؛ وَلَكِنَّ اللهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَجَعَلَ آخِرَهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
[7] وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو: «مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ عَنْ حَاجَتِهِ؛ فَقَدْ أَشْرَكَ»، قَالُوا: فَمَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: «أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ».
[8] وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ: «إِنَّمَا الطِّيَرَةُ مَا أَمْضَاكَ أَوْ رَدَّكَ».
- · «وَمَا مِنَّا إِلَّا»: أي وما منَّا إلَّا مُتطيِّرٌ، وهذا من ترك ما يُستقبح ذكره، والبعد عن الألفاظ الشِّركيَّة، وتحقيق التَّوحيد في الألفاظ مع أنَّ حاكي الكُفر ليس بكافرٍ.
- · «التَّوَكُّل»: هو صدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المَضارِّ مع الثِّقة به، وفعل الأسباب الَّتي جعلها الله أسبابًا.
ما هو علاج التَّطيُّر؟
- بتحقيق التَّوحيد؛ لأنَّ التَّطيُّر يُذهبه الله بالتَّوكُّل، ويكون مُنشَرح الصَّدر.
- قول الدُّعاء الوارد عن النَّبيِّ ﷺ: «اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ...».
- يتفاءل بالخير ولا يتشاءم، ولا يطرأ التَّشاؤُم على باله.
- ما فيه مصلحةٌ لا تتقاعس عنه في أوَّل مُحاولةٍ، حاول مرَّاتٍ حتَّى يفتح الله.
الفرق بين
| القرعة | والاستقسام بالأزلام |
| حُكمها جائزةٌ. | كبيرةٌ، وهي من المَيسر. |
| يحصل بها المقصود الشَّرعيُّ. | لا يحصل بها المقصود الشَّرعيُّ. |
| تُستعمل لتعيين من له الحقُّ بين متنازعين لهم نفس الحقِّ دون تعيينٍ. | تُستعمل لتعيين الخير من الشَّرِّ وتشبه ادِّعاء الغيب بالاعتماد على الحظِّ. |
| عمل أهل التَّوحيد. | عمل أهل الشِّرك. |
| مثالها: القُرعة للصَّفِّ الأوَّل والأذان. | الخيرة برمي النُّقود المعدنيَّة والعدِّ. |
| تميِّز لصاحب الحقِّ ولا يمكن القسمة. | تميِّز لمن ليس له حقٌّ والقسمة ممكنةٌ. |
المسائل:
الْأُولَى: التَّنْبِيهُ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ ﴾، مَعَ قَوْلِهِ: ﴿طَائِرُكُم مَّعَكُمْ ۚ ﴾ (فلا تعارُض بينهما).
الثَّانِيَةُ: نَفْيُ الْعَدْوَى (أي تأثيرها بنفسها لا أنَّها سببٌ للتَّأثير).
الثَّالِثَةُ: نَفْيُ الطِّيَرَةِ (نفي التَّأثير لا نفي الوجود).
الرَّابِعَةُ: نَفْيُ الْهَامَةِ (البومة أو طائرٌ يشبهها).
الْـخَامِسَةُ: نَفْيُ الصَّفَرِ (الأزمنة لا دخل لها في التَّأثير وتقدير الله، فصفر كغيره من الأزمنة يُقدَّر فيه الخير والشَّرُّ، وبعض النَّاس إذا انتهى من شيءٍ في شهر صفر أَرَّخ ذلك وقال: انتهى في صفر الخير، وهذا من مداواة البدعة بالبدعة، والجهل بالجهل، فهو ليس شهر خيرٍ ولا شهر شرٍّ).
السَّادِسَةُ: أَنَّ الْفَأْلَ لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ مُسْتَحَبٌّ.
السَّابِعَةُ: تَفْسِيرُ الْفَأْلِ (كلُّ ما ينشِّط الإنسان على شيءٍ محمودٍ).
الثَّامِنَةُ: أَنَّ الْوَاقِعَ فِي الْقَلْبِ مِنْ ذَلِكَ مَعَ كَرَاهَتِهِ لَا يَضُرُّ؛ بَلْ يُذْهِبُهُ اللهُ بِالتَّوَكُّلِ.
التَّاسِعَةُ: ذِكْرُ مَا يَقُولُ مَنْ وَجَدَهُ (اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ ....).
الْعَاشِرَةُ: التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الطِّيَرَةَ شِرْكٌ (بتفصيلٍ: إذا اعتقد تأثيرها فهو شركٌ أكبر، وإذا اعتقدها سببًا فهو شركٌ أصغر).
الْـحَادِيَةَ عَشْرَةَ: تَفْسِيرُ الطِّيَرَةِ الْـمَذْمُومَةِ (ما أمضاك أو ردَّك).