[20] بَابُ مَا جَاءَ مِنَ التَّغْلِيظِ فِيمَنْ عَبَدَ اللهَ عِنْدَ قَبْرِ رَجُلٍ صَالِحٍ، فَكَيْفَ إِذَا عَبَدَهُ؟
جاء المصنِّف بهذا الباب ليبيِّن لك غربة الدِّين وترك النَّاس للتَّوحيد، وما جاء من النَّهي عن عبادة الله تعالى عند قبور الصَّالحين حتَّى لا تكون وسيلةً إلى الشِّرك بالله.
الدَّليل الأوَّل:
فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها ؛ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ كَنِيسَةً رَأَتْهَا بِأَرْضِ الْـحَبَشَةِ، وَمَا فِيهَا مِنَ الصُّوَرِ، فَقَالَ: «أُولَئِكِ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، أَوِ الْعَبْدُ الصَّالِحُ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكِ شِرَارُ الْـخَلْقِ عِنْدَ اللهِ»، فَهَؤُلَاءِ جَمَعُوا بَيْنَ الفِتْنَتَيْنِ: فِتْنَةِ الْقُبور، وَفِتْنَةِ التَّمَاثِيلِ.
- · «فَهَؤُلَاءِ جَمَعُوا بَيْنَ الفِتْنَتَيْنِ»: هذا كلام ابن تيميَّة رحمه الله، وإنَّما سمَّى ذلك فتنةً؛ لأنَّها سببٌ لصدِّ النَّاس عن دينهم.
- الأصل في القبور أن تكون خارج البنيان حتَّى لا تكون ذريعةً إلى الشِّرك.
- القبور أشدُّ فتنةً من التَّماثيل، وذلك لأمورٍ:
- القبور موجودةٌ في كلِّ مكانٍ بخلاف التَّماثيل.
- عند القبر تحصل أشياء لا تحصل عند مكانٍ آخر، مثل: الخوف.
الدَّليل الثَّاني:
وَلَهُمَا عَنْهَا، قَالَتْ: (لَـمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا، فَقَالَ - وَهُوَ كَذَلِكَ -: «لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبور أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»؛ يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا، وَلَوْلَا ذَلِكَ لأُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خُـَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا. أَخْرَجَاهُ.
الدَّليل الثالث:
وَلِـمُسْلِمٍ عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: «إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ؛ فَإِنَّ اللهَ قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا، كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا؛ لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبور أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبور مَسَاجِدَ، فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ».
فَقَدْ نَهَى عَنْهُ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ لَعَنَ - وَهُوَ فِي السِّيَاقِ - مَنْ فَعَلَهُ، وَالصَّلَاةُ عِنْدَهَا مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُبْنَ مَسْجِدٌ؛ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهَا: «خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا»، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَكُونُوا لِيَبْنُوا حَـوْلَ قَبْرِهِ مَسْجِدًا.
وَكُلُّ مَوْضِـعٍ قُصِدَتِ الصَّـلَاةُ فِيهِ فَقَدِ اتُّخِذَ مَسْجِدًا، بَلْ كُلُّ مَوْضِعٍ يُصَلَّى فِيهِ يُسَمَّى مَسْجِدًا، كَمَا قَالَ ﷺ: «جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا».
- · «لَـمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ»: ملك الموت ليقبض روحه ﷺ.
- «خَمِيصَة»: كساءٌ أو لباسٌ ذو أعلام.
- · «لَعْنَةُ اللهِ»: أي طرده وإبعاده، فهذا خبرٌ عن الله، ويحتمل أنَّه ﷺ دعا عليهم.
- · «اتَّخَذُوا قُبور أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»: إمَّا بالسُّجود عليها أو بناء المساجد عليها.
- · «لأُبْرِزَ قَبْرُهُ»: أي أُظهر وأُخرج من بيته كأن يُدفَن في البقيع مثلًا.
لماذا دُفن ﷺ داخل الحجرة ولا أحد يرى الحجرة فضلًا عن تربة القبر؟
- لقوله ﷺ: «مَا قُبِضَ نَبِيٌّ إِلَّا دُفِنَ حَيْثُ يُقْبَضُ».
- · «خَشِيَ»: (بفتح الخاء) النَّبيُّ ﷺ أن يُجعل قبره وثنًا.
- «خُشِيَ»: (بالضَّمِّ) الصَّحابة أن يُجعل القبر وثنًا، حرصًا على تحقيق التَّوحيد.
كيف نردُّ على من ادَّعى أنَّ قبر النَّبيِّ ﷺ داخل المسجد؟
- ردٌّ مُجملٌ: بأنَّ هذا من المُتشابه، والواجب الأخذ بالمُحكم من الكتاب والسُّنَّة، وأنت من الَّذين يتَّبعون المُتشابه ويتركون المُحكَم؛ فلا نسمع لك أبدًا.
- ردٌّ مُفصَّلٌ:
- أنَّ المسجد لم يُبن على القبر، بل بُنيَ المسجد في حياته ﷺ.
- أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يُدفن في المسجد بل دُفن في بيته وكان خارج المسجد.
- إدخال الحجرات إلى المسجد ليس باتِّفاق الصَّحابة ﭫ بل بعد أن انقرض أكثرهم، وخالف بعض من بقي، كما خالف سعيد بن المُسيَّب.
- القبر ليس في المسجد بل في حُجرةٍ مُستقلَّةٍ، وليس المسجد مَبنيًّا عليه، بل القبر مَحفوظٌ بثلاثة جدران، وجُعل الجدار في زاويةٍ مُنحرفةٍ عن القبلة حتَّى لا يستقبله المُصلِّي.
- المسجد النَّبويُّ له مزيَّةٌ في الصَّلاة وشدِّ الرَّحل وغيره.
تنبيهٌ: الخُلَّة أعظم أنواع المحبَّة وأعلاها، ولم يثبتها الله ۵ فيما نعلم إلَّا لاثنين من خلقه، وهما إبراهيم ﷺ ومحمَّدٌ ﷺ ، وبهذا تعرف الجهل العظيم في قول العامَّة: إنَّ إبراهيم خليل الله، ومحمَّدًا حبيب الله، وهذا تنقُّصٌ في حقِّه ﷺ لأنَّهم جعلوا مرتبته ﷺ دون مرتبة إبراهيم، ولم يفرِّقوا بينه وبين غيره من النَّاس؛ فإنَّ الله يحبُّ المحسنين مثلًا، فمن يصفه ﷺ بأنَّه حبيب الله، فقد أخطأ.
الدَّليل الرَّابع:
وَلِأَحْمَدَ - بِسَنِدٍ جَيِّدٍ - عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه مَرْفُوعًا: «إِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَالَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْقُبور مَسَاجِدَ». رَوَاهُ أَبُو حَاتِمٍ فِي «صَحِيحِهِ».
- · «شِرَارِ النَّاسِ»: فيه أنَّ النَّاس يتفاوتون في الشَّرِّ، وأنَّ بعضهم أشدُّ من بعضٍ.
خلاصة الباب:
يجب البعد عن الشِّرك ووسائله، ويُغلَّظ على من عبد الله عند قبر رجلٍ صالحٍ، ويشمل الصَّلاة وغيرها، فمن زعم أنَّ الصَّدقة عند هذا القبر أفضل من غيره؛ فهو شبيهٌ بمن اتَّخذه مسجدًا.
المسائل:
الْأُولَى: مَا ذَكَرَ الرَّسُولُ ﷺ فِيمَنْ بَنَى مَسْجِدًا يُعْبَدُ اللَّهُ فِيهِ عِنْدَ قَبْرِ رَجُلٍ صَالِحٍ، وَلَوْ صَحَّتْ نِيَّةُ الْفَاعِلِ (فهذا العمل لا يحتاج إلى نيَّةٍ؛ لأنَّه مُعلَّقٌ بمُجرَّد الفعل، وكذلك مشابهة المشركين).
الثَّانِيَةُ: النَّهْيُ عَنْ التَّمَاثِيلِ وَغِلَظُ الْأمْرِ فِي ذَلِكَ (لا سيما إذا كانت الصُّور مُعظَّمةً عادةً؛ كصور الرُّؤساء والآباء، أو شرعًا؛ كصور الأولياء والصَّالحين).
الثَّالِثَةُ: الْعَبْرَةُ فِي مُبَالَغَتِهِ ﷺ فِي ذَلِكَ كَيْفَ بَيَّنَ لَهُمْ هَذَا أَوَّلاً، ثُمَّ قَبْلَ مَوْتِهِ بِخَمْسٍ قَالَ مَا قَالَ، ثُمَّ لَمَّا كَانَ فِي السِّيَاقِ لَمْ يَكْتَفِ بِمَا تَقَدَّمَ.
الرَّابِعَةُ: نَهْيُهُ عَنْ فِعْلِهِ عِنْدَ قَبْرِهِ قَبْلَ أَنْ يُوجَدَ الْقَبْرُ.
الْخَامِسَةُ: أَنَّهُ مِنْ سُنَنِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي قُبُورِ أَنْبِيَائِهِمْ.
السَّادِسَةُ: لَعْنُهُ إِيَّاهُمْ عَلَى ذَلِكَ.
السَّابِعَةُ: أَنَّ مُرَادَهُ ﷺ تَحْذِيرُهُ إِيَّانَا عَنْ قَبْرِهِ.
الثَّامِنَةُ: الْعِلَّةُ فِي عَدَمِ إِبْرَازِ قَبْرِهِ (خَشية عبادته، وكلُّ نبيٍّ يُدفن حيث قُبض).
التَّاسِعَةُ: فِي مَعْنَى اتِّخَاذِهَا مَسْجِدًا (بناء المساجد عليها، واتِّخاذها للصَّلاة).
الْعَاشِرَةُ: أَنَّهُ قَرَنَ بَيْنَ مَنِ اتَّخَذَهَا وَبَيْنَ مَنْ تَقُومُ عَلَيْهِمْ السَّاعَةُ، فَذَكَرَ الذَّرِيعَةَ إِلَى الشِّرْكِ قَبْلَ وُقُوعِهِ مَعَ خَاتِمَتِهِ.
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: ذِكْرُهُ فِي خُطْبَتِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِخَمْسٍ الرَّدَّ عَلَى الطَّائِفَتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُمَا أَشَرُّ أَهْلِ الْبِدَعِ، بَلْ أَخْرَجَهُمْ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الثِّنْتَيْنِ وَالسَّبْعِينَ فِرْقَةً، وَهُمُ الرَّافِضَةُ وَالْجَهْمِيَّةُ، وَبِسَبَبِ الرَّافِضَةِ حَدَثَ الشِّرْكُ وَعِبَادَةُ الْقُبُورِ، وَهُمْ أَوَّلُ مَنْ بَنَى عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ.
الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: مَا بُلِيَ بِهِ ﷺ مِنْ شِدَّةِ النَّزْعِ.
الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: مَا أُكْرِمَ بِهِ مِنَ الْخُلَّةِ.
الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: التَّصْرِيحُ بِأَنَّهَا أَعْلَى مَنْ الْمَحَبَّةِ.
الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الصِّدِّيقَ أَفْضَلُ الصَّحَابَةِ (الأفضليَّة في الإيمان والعمل الصَّالح فوق الأفضليَّة بالنَّسب، ومن ثمَّ قُدِّم أبو بكرٍ على عليٍّ).
السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: الْإِشَارَةُ إِلَى خِلَافَتِهِ.