[35] بَابٌ مِنَ الإِيمَانِ بِاللهِ الصَّبْرُ عَلَى أَقْدَارِ اللهِ
أقسام الصَّبر ثلاثةٌ:
| الصَّبر على طاعة الله حتَّى تُؤدَّى: وهذا من الصَّبر على الأوامر كالصَّلاة والصِّيام. | الصَّبر عن معصية الله حتَّى تُجتنب: كاجتناب الشِّرك وسائر المُحرَّمات. | الصَّبر على أقدار الله المؤلمة: كموت قريبٍ. |
قدَّم الصَّبر على الطاَعة لأنَّه يتضمَّن إلزامًا وفعلًا، ثمَّ الصَّبر عن المعصية لأنَّ فيه كفًّا، أمَّا الصَّبر على الأقدار فلأنَّ سببه ليس باختيار العبد، أمَّا باعتبار من يتعلَّق به فقد يكون الصَّبر عن المعصية أشقَّ على الإنسان من الصَّبر على الطَّاعة.
أقسام النَّاس عند المصيبة أربعةٌ:
| متسخِّطٌ (كبيرةٌ، ويؤدِّي للكفر) بالقلب (يغضب) واللِّسان (الدُّعاء بالويل والثُّبور) والجوارح (اللَّطم والشَّقُّ والنَّتف). | صابرٌ (واجبٌ بالإجماع) بالقلب واللِّسان والجوارح، فهو ثقيلٌ عليه ويكرهه لكنَّه يتحمَّل ويصبر. | راضٍ (مُستحبٌّ) لتمام رضاه بربِّه، عنده النِّعمة وضدُّها سواءٌ، ينظر إليها باعتبارها قضاءً من ربِّه. | شاكرٌ (أعلى المراتب) يرى أنَّها لتكفير السَّيِّئات وزيادة الحسنات والإيمان، وهناك مصائب أعظم منها. |
الدَّليل الأوَّل:
وَقَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ۚ ﴾، قَالَ عَلْقَمَةُ: (هُوَ الرَّجُلُ تُصِيبُهُ الْـمُصِيبَةُ فَيَعْلَمُ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللهِ؛ فَيَرْضَى وَيُسَلِّمُ).
· ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ ۚ ﴾: يرزقه الطُّمأنينة، فإذا اهتدى القلب اهتدت الجوارح.
الدَّليل الثَّاني:
وَفِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْـمَيِّتِ».
- · «الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ»: أي العيب فيه أو نفيه، فهذا عملٌ من أعمال الكفر.
- · «وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْـمَيِّتِ»: هذا هو موضع الشَّاهد، فالنِّياحة من التَّسخُّط.
الدَّليلان الثَّالث والرَّابع:
[3] وَلَهُمَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْـخُدُودَ، وَشَقَّ الْـجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَىَ الْـجَاهِلِيَّةِ».
[4] وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ الْـخَيْرَ؛ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ؛ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
- · «بِدَعْوَىَ الْـجَاهِلِيَّةِ»:كلُّ دعوةٍ منشؤها الجاهليَّة، ومثله هدم البيوت، وكسر الأواني، وتخريب الطَّعام، ونحوه ممَّا يفعله بعض النَّاس عند المصيبة.
- · «إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ»: الشَّرُّ ليس مرادًا لله لذاته لقوله ﷺ: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ»، فهو يريده لحكمةٍ، وحينئذٍ يكون خيرًا باعتبار ما يتضمَّنه من الحكمة.
- والغرض من الحديث تسلية المُصاب لئلَّا يجزع، فإنَّه قد يكون خيرًا، وعذاب الدُّنيا أهون من عذاب الآخرة، فيحمد الله أنَّه لم يؤخِّر عقوبته إلى الآخرة.
الدَّليل الخامس:
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ عِظَمَ الْـجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ؛ فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ». حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ.
- يُستفاد منه:
- كلَّما كان البلاء أشدَّ وصبر الإنسان صار الجزاء أعظم.
- أنَّ الله إذا أحبَّ قومًا اختبرهم بما يُقدِّر عليهم كونًا وشرعًا.
- إثبات المحبَّة والسَّخط والرِّضا لله سبحانه و تعالى مع الحذر من التَّمثيل أو التَّكييف.
المسائل:
الْأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ التَّغَابُنِ (﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ۚ ﴾).
الثَّانِيَةُ: أَنَّ هَذَا مِنَ الْإِيمَانِ بِاللهِ (الصَّبر على أقدار الله).
الثَّالِثَةُ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ (وهي عيبه أو نفيه، وهو من الكفر الأصغر).
الرَّابِعَةُ: شِدَّةُ الْوَعِيدِ فِيمَنْ ضَرَبَ الْـخُدُودَ، وَشَقَّ الْـجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْـجَاهِلِيَّةِ (لأنَّه ﷺ تبرَّأ منه).
الْـخَامِسَةُ: عَلَامَةُ إِرَادَةِ اللهِ بِعَبْدِهِ الْـخَيْرَ (يُعَجِّلُ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا).
السَّادِسَةُ: عَلَامَةُ إِرَادَةِ اللهِ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ (يُؤخِّر له العقوبة إلى الآخرة).
السَّابِعَةُ: عَلَامَةُ حُبِّ اللهِ لِلْعَبْدِ (وهي الابتلاء).
الثَّامِنَةُ: تَحْرِيمُ السُّخْطِ (يعني ممَّا يُبتلى به العبد).
التَّاسِعَةُ: ثَوَابُ الرِّضَا بِالْبَلَاءِ (وهو رضى الله تعالى عن العبد).