[37] بَابٌ مِنَ الشِّرْكِ إِرَادَةُ الْإِنْسَانِ بِعَمَلِهِ الدُّنْيَا
- هذا الباب في من لا يريد أن يُمدح لعبادته ولا يريد الرِّياء، بل يعبد الله مخلصًا له، ولكنَّه يريد شيئًا من الدُّنيا؛ كالمال والمرتبة والصِّحَّة في نفسه وما أشبه ذلك، فهو يريد بعمله نفعًا في الدُّنيا، غافلًا عن ثواب الآخرة.
- لا مانع أن يدعو الإنسان في صلاته ويطلب أن يرزقه الله المال، ولكن لا يصلِّي من أجل هذا؛ فهذه مرتبةٌ دنيئةٌ، وهي أن يريد الدُّنيا بعمل الآخرة.
- تنبيهٌ: بعض النَّاس عندما يتكلَّمون على فوائد العبادات يحوِّلونها إلى فوائد دنيويَّةٍ، والمفروض ألَّا نجعل الفوائد الدُّنيويَّة هي الأصل.
- هذا الباب أخطر من باب الرِّياء؛ لأنَّ الرِّياء قد يطرأ على صلاةٍ واحدةٍ مثلًا، أمَّا إرادة الدُّنيا بعمل الآخرة فإنَّ خطره يمتدُّ إلى جميع العبادات.
أقسام النَّاس بالنِّسبة إلى هذا الباب خمسةٌ:
| يريد الدُّنيا بعمل الدُّنيا: | وهذا جائزٌ، كمن يتاجر ليشتري منزلًا. |
| يريد الآخرة بعمل الدُّنيا: | وهذا مستحبٌّ، كمن يزرع ليتصدَّق. |
| يريد الآخرة بعمل الآخرة: | طوبى له، فهذه أعلى المراتب. |
| يريد الدُّنيا والآخرة بعمل الآخرة: | يصحُّ بشرط أن يغلِّب الآخرة، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾. |
| يريد الدُّنيا بعمل الآخرة: | شركٌ أصغر، كمن يصلِّي بالنَّاس من أجل المال. |
· كيف يعرف بأنَّه يريد الدُّنيا أو الآخرة؟ «إِنْ أُعْطِي رَضِيَ، وِإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ».
· تنبيهٌ: بعض النَّاس يُخلص أيَّام الاختبارات، فإذا ظهرت النَّتائج يترك العبادة.
الدَّليل الأوَّل:
وَقَوْلُـِهُ تَعَالَى: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ الآيَتَيْنِ.
هذه مخصوصةٌ بآية الإسراء: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾، فالأمر مَوكولٌ إلى مشيئة الله وفيمن يريد.
الدَّليل الثَّاني:
فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الْـخَمِيصَةِ، تَعِسَ عَبْدُ الْـخَمِيلَةِ، إِنْ أُعْطِي رَضِيَ، وِإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ، طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَشْعَثَ رَأْسُهُ، مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ، إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ، إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ».
- · «تَعِسَ»: خاب وخسر، «عَبْدُ الدِّينَارِ»: النَّقد من الذَّهب، وسمَّاه عبد الدِّينار؛ لأنَّه تعلَّق به تعلُّق العبد بالرَّبِّ فكان أكبر همِّه، وقدَّمه على طاعة ربِّه ۵.
- · «الدِّرْهَمِ»: النَّقد من الفضَّةٍ.
- · «عَبْدُ الْـخَمِيصَةِ»، «عَبْدُ الْـخَمِيلَةِ»: من يُعنى بمظهره وأثاثه.
- · «إِنْ أُعْطِي رَضِيَ»:لا يرضى إلَّا للمال ولا يسخط إلَّا له، ولهذا سمَّاه عبدًا له.
- · «وَانْتَكَسَ»: انقلبت عليه الأمور خلاف ما يريد بحيث لا تتيسَّر له.
- · «وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ»:إذا أصابته شوكةٌ فلا يستطيع أن يزيلها.
- الجُمل الثَّلاث يحتمل أن تكون خبرًا أو من باب الدُّعاء عليه.
- · «طُوبَى»: أطيب حالٍ تكون لهذا الرَّجل،وقيل شجرةٌ في الجنَّة، والأوَّل أعمُّ.
- · «فِي سَبِيلِ اللهِ»: ضابطه أن يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا لا للحميَّة أو الوطنيَّة.
- · «أَشْعَثَ رَأْسُهُ»: من الغبار في سبيل الله، فهو لا يهتمُّ بحاله ولا بدنه ما دام هذا ناتجًا عن طاعة الله، وقدمه مُغبَرَّةٌ من السَّير في سبيل الله، والأثر النَّاشئ عن العبادة
إذا لم يكن فيه تكلُّفٌ يُؤجر عليه؛ كقوله ﷺ: «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ».
- · «السَّاقَةِ»: يكون في مُؤخِّرة الجيش، وللجملتين معنيان الحديث صالحٌ لهما:
- أنَّه لا يبالي أين وُضع، فلا يطلب مرتبةً أعلى كمُقدَّم الجيش مثلًا.
- إن كان في الحراسة أدَّى حقَّها، وكذلك السَّاقة.
- · «إِنِ اسْتَأْذَنَ»: ليس له جاهٌ ولا شرفٌ ولا مرتبةٌ عند النَّاس، وله عند الله ۵.
- الشَّاهد أنَّ من النَّاس من يعبد الدُّنيا، يغضب لها، والحديث قسَّم النَّاس إلى:
- من ليس له همٌّ إلَّا الدُّنيا بتحصيل المال أو تجميل الحال، استعبدت قلبه فأشغلته عن ذكر الله وعبادته، فينقلب عليه الأمر ولا يتخلَّص من أدنى أذيَّةٍ.
- أكبر همِّه الآخرة؛ فهو يسعى لها بأعلى ما يكون مشقَّةً وهو الجهاد في سبيل الله، ومع ذلك أدَّى ما يجب عليه من كلِّ الوجوه، ويهمُّه الخير فيشفع للنَّاس.
المسائل:
الْأُولَى: إِرَادَةُ الْإِنْسَانِ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ.
الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ هُودٍ (﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾).
الثَّالِثَةُ: تَسْمِيَةُ الْإِنْسَانِ الْـمُسْلِمِ عَبْدَ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْـخَمِيصَةِ.
الرَّابِعَةُ: تَفْسِيرُ ذَلِكَ بِأَنَّهُ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ.
الْـخَامِسَةُ: قَوْلُهُ: «تَعِسَ وَانْتَكَسَ» (يحتمل أن تكون خبرًا أو دعاءً).
السَّادِسَةُ: قَوْلُهُ: «وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ» (يحتمل أن تكون خبرًا أو دعاءً).
السَّابِعَةُ: الثَّنَاءُ عَلَى الْـمُجَاهِدِ الْـمَوْصُوفِ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ (وهو الَّذي يستحقُّ أن يُمدح لا أصحاب الدَّراهم والدَّنانير وأصحاب الفُرش والمراتب).