[22] بَابُ مَا جَاءَ فِي حِمَايَةِ الْـمُصْطَفَى ﷺ جَنَابَ التَّوْحِيدِ، وَسَدِّهِ كُلَّ طَرِيقٍ يُوصِلُ إِلَى الشِّرْكِ
جاءَ به ليُبيِّن أنَّه ﷺ جعل مانعًا يمنع من يقرب حول التَّوحيد حمايةً مُحكَمةً، ولم يدع الأبواب مفتوحةً يلج إليها من شاء، ولكنَّه سدَّ كلَّ طريقٍ يوصل إلى الشِّرك.
الدَّليلان الأوَّل والثَّاني:
[1] وَقَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ الآيَةَ. [2] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﭬ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبورا، وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ.
- · ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ﴾: أُكِّدت بثلاث مؤكِّداتٍ: القسم المُقدَّر، واللَّام، وقد.
- · ﴿مِّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾: أي [1] بشرٌ من جنسكم ولكن تميَّز عليكم بالوحي.
[2] وفي قراءةٍ: «مِنْ أَنْفَسِكُمْ» بفتح الفاء أي: أشرفكم وأتقاكم.
- · ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ﴾: يشقُّ عليه ما يشقُّ عليكم، ولهذا بُعِث بالحَنيفيَّة السَّمحة.
- · ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُم﴾: باذلٌ غاية جهده في مصلحتكم.
- · ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾: تقديم ما حقُّه التَّأخير يفيد الحصر ، أي : بغير المؤمنين شديدٌ، ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ ﴾.
- · ﴿فَإِن تَوَلَّوْا﴾: أعرضوا، ولم يقل: فإن تولَّيتُم؛ [1] لأنَّ التَّولِّي مع هذا البيان مَكروهٌ، [2] ولتنبيه القارئ، فغيَّر الضَّمير حتَّى ينتبه.
- · ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ ﴾: أي لا يهمَّنَّك إعراضهم وقل بلسانك وقلبك: حَسبيَ الله.
- · «بُيُوتَكُمْ قُبورا»: أي: [1] لا تدعوا الصَّلاة فيها، [2] ولا تَدفِنوا فيها.
- · «عِيدًا»: أي: لا تتردَّدوا على قبري وتعتادوا ذلك، سواءٌ قيَّدوه بالسَّنة أو بالشَّهر أو بالأسبوع، وإنَّما يُزار لسببٍ، كما لو قدم من سفرٍ أو لتذكُّر الآخرة.
- · «وَصَلُّوا عَلَيَّ»: فالصَّلاة من الله تعالی الثَّناء عليه في الملأ الأعلى.
- · «تَبْلُغُنِي»: لأنَّه ﷺ قال:«إِنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الأَرْضِ يُبَلِّغُونِي عَنْ أُمَّتِيَ السَّلامَ»، فلا داعي للمزاحمة أمام قبره ﷺ.
الدَّليل الثَّالث:
وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْـحُسَيْنِ؛ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَجِيءُ إِلَى فُرْجَةٍ كَانَتْ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ، فَيَدْخُلُ فِيهَا فَيَدْعُو، فَنَهَاهُ، وَقَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا، وَلَا بُيُوتَكُمْ قُبورا؛ فَإِنَّ تَسْلِيمَكُمْ يَبْلُغُنِي أَيْنَ كُنْتُمْ». رَوَاهُ فِي «الْـمُخْتَارَةِ».
- · «فَيَدْعُو»: كونه يظنُّ أنَّ الدُّعاء عند القبر له مزيَّةٌ يفتح بابًا ووسيلةً إلى الشِّرك.
- · «أَيْنَ كُنْتُمْ»: المُراد: صلُّوا عليَّ في أيِّ مكانٍ كنتم، ولا حاجة إلى أن تأتوا إلى القبر وتسلِّموا عليَّ وتصلُّوا عليَّ عنده.
المسائل:
الْأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ (بَرَاءَة) ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾.
الثَّانِيَةُ: إِبْعَادُهُ أُمَّتَهُ عَنْ هَذَا الْحِمَى غَايَةَ الْبُعْدِ (لا تجعلوا بيوتكم قبورًا...).
الثَّالِثَةُ: ذِكْرُ حِرْصِهِ عَلَيْنَا وَرَأْفَتِهِ وَرَحْمَتِهِ (آية بَرَاءَة).
الرَّابِعَةُ: نَهْيُهُ عَنْ زِيَارَةِ قَبْرِهِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ، مَعَ أَنَّ زِيَارَتَهُ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ (فزيارته فيها سلامٌ عليه، وحقُّه أعظم من غيره).
الْخَامِسَةُ: نَهْيُهُ عَنْ الْإِكْثَارِ مِنْ الزِّيَارَةِ.
السَّادِسَةُ: حَثُّهُ عَلَى النَّافِلَةِ فِي الْبَيْتِ.
السَّابِعَةُ: أَنَّهُ مُتَقَرِّرٌ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى فِي الْمَقْبَرَةِ.
الثَّامِنَةُ: تَعْلِيلُ ذَلِكَ بِأَنَّ صَلَاةَ الرَّجُلِ وَسَلَامَهُ عَلَيْهِ يَبْلُغُهُ وَإِنْ بَعُدَ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى مَا يَتَوَهَّمُهُ مَنْ أَرَادَ الْقُرْبَ (قال عليُّ بن الحسين: ما أنت ومن بالأندلس إلَّا سواءٌ).
التَّاسِعَةُ: كَوْنُهُ ﷺ فِي الْبَرْزَخِ تُعْرَضُ أَعْمَالُ أُمَّتِهِ فِي الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ.