[45] بَابُ مَنْ سَبَّ الدَّهْرَ فَقَدْ آذَى اللهَ (نسبة الحوادث للدَّهر)
· «فَقَدْ آذَى اللهَ»: لا يلزم من الأذيَّة الضَّرر؛ فالإنسان يتأذَّى بسماع القبيح، ولكن لا يتضرَّر بذلك، ولهذا أثبت الله الأذيَّة في القرآن، ونفى أن يضرَّه شيءٌ.
أقسام سبِّ الدَّهر:
| شركٌ أكبر: أن يسبَّ الدَّهر على أنَّه هو الفاعل، كأن يعتقد أنَّه هو الَّذي يُقلِّب الأمور إلى الخير والشَّرِّ. | مُحرَّمٌ: أن يسبَّ الدَّهر لا لاعتقاده أنَّه هو الفاعل، بل يعتقد أنَّ الله هو الفاعل، لكن يسبُّه لأنَّه محلٌّ لهذا الأمر المكروه. | جائزٌ: أن يقصد الخبر المحض دون اللَّوم، كأن يقول: تعبنا من حرِّ هذا اليوم، ومنه قول: ﴿وَقَالَ هَٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾. |
الدَّليلان الأوَّل والثَّاني:
[1] وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ۚ ﴾ الآيَةَ.
[2] فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ، يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ: أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ»، وَفِي رِوَايَةٍ: «لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ؛ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ».
- · ﴿حَيَاتُنَا الدُّنْيَا ﴾: أي وما الحياة والوجود إلَّا هذا، فليس هناك آخرةٌ.
- · ﴿ وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ۚ ﴾: ليس هلاكنا بأمر الله وقدره، بل بطول السِّنين لمن طالت مُدَّته، والأمراض والهموم والغموم لمن قَصُرت مُدَّته، فالمُهلِك لهم هو الدَّهر.
- · «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ»: أي يُلحق بي الأذى، فالأذيَّة لله ثابتةٌ، وجب علينا إثباتها لأنَّ الله أثبتها لنفسه، فلسنا أعلم من الله بالله، ولكنَّها ليست كأذيَّة المخلوق.
- · «يَسُبُّ الدَّهْرَ»: أي يشتمه ويُقَبِّحُه ويلومه ويلعنه، والدَّهر هو الزَّمن والوقت.
- · «وَأَنَا الدَّهْرُ»: أي مُدَبِّر الدَّهر ومُصَرِّفه والآمر له، مثل الرِّيح وغيرها.
هل الدَّهر من أسماء الله؟
ليس من أسماء الله تعالى الدَّهر، وذلك لأسبابٍ:
- سياق الآية يردُّه، ولو كان من أسمائه لكان اعتقاد الجاهليَّة صحيحًا.
- سياق الحديث يردُّ هذا أيضًا.
- من جعل الدَّهر هو (الله) فقد جعل المَخلوق هو الخالق.
- أسماء الله كلُّها حُسنى بالغةٌ في الحسن أكمله، ولها معنًى، والدَّهر لا حُسن فيه.
- أسماء الله كلُّها مُشتقَّةٌ، والدَّهر اسمٌ جامدٌ.
- جاء النَّهي عن سبِّ الدَّابَّة والرِّيح والحُمَّى.
المسائل:
الْأُولَى: النَّهْيُ عَنْ سَبِّ الدَّهْرِ (كقولهم: يا خيبة الدَّهر، أو: زمان سوءٍ، أو: الزَّمن غدَّارٌ).
الثَّانِيَةُ: تَسْمِيَتُهُ أَذَى اللهِ.
الثَّالِثَةُ: التَّأَمُّلُ فِي قَوْلِهِ: «فَإِنَّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ» (أي مُقَلِّب الدَّهر ومُصَرِّفه).
الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ سَابًّا، وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْهُ بِقَلْبِهِ.
الخَامِسَةُ: تفسير آية الجاثية ﴿ وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ۚ ﴾