[13] بَابٌ مِنَ الشِّرْكِ الِاسْتِعَاذَةُ بِغَيْرِ اللهِ (فيما لا يقدر عليه إلّا الله)
الدَّليل الأوَّل:
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ﴾.
- · ﴿يَعُوذُونَ ﴾: يلتجئون، فالعياذ ممَّا يُخاف، واللِّياذ فيما يُؤمَّل.
- · ﴿ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾: الذُّعر والخوف في القلوب، والرَّهق في الأبدان، والاستعاذة بغير الله لا تفيد المستعيذ، بل تزيده رهقًا، وهي شركٌ أكبر، فعُوقب بنقيض قصده.
الدَّليل الثَّاني:
وَعَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ رضي الله عنها قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا فَقَالَ: (أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ)، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْحَلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
- · «مَنْزِلًا»: يشمل من نزله على سبيل الإقامة الدَّائمة، أو الطَّارئة كالسَّفينة مثلًا.
- · «أَعُوذُ»: ألتجئ وأعتصم، «بِكَلِمَاتِ اللهِ» الكونيَّة والشَّرعيَّة.
- · «التَّامَّاتِ»: [1] الصِّدق في الأخبار. [2] العدل في الأحكام.
- · «شَرِّ مَا خَلَقَ»: الشَّرُّ لا يُنسب إليه؛ لأنَّه خلق الشَّرَّ لحكمةٍ. أقسام المخلوقات:
[1] خيرٌ محضٌ؛ كالجنَّة، والرُّسل، والملائكة.
[2] شرٌّ محضٌ؛ كالنَّار وإبليس باعتبار ذاتيهما، أمَّا باعتبار حكمة خلقهما فخيرٌ.
[3] فيه شرٌّ وخيرٌ؛ كالإنسان، والجنِّ، والحيوان.
- · «لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ»: خبرٌ لا يمكن أن يتخلَّف مُخبره؛ لأنَّه كلام الصَّادق المَصدوق، لكن إن تخلَّف؛ فهو لوجود مانعٍ لا لقصور السَّبب أو تخلُّف الخبر، مثل قراءة الفاتحة على المرضى شفاءٌ، ويقرؤها بعض النَّاس ولا يشفى المريض.
المسائل:
الْأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ الْجِنِّ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ﴾.
الثَّانِيَةُ: كَوْنُهُ مِنَ الشِّرْكِ (الأكبر، أي الاستعاذة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلَّا الله).
الثَّالِثَةُ: الِاسْتِدْلالُ عَلَى ذَلِكَ بِالْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ يَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلَى أَنَّ كَلِمَاتِ اللهِ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، لِأَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ بِالْمَخْلُوقِ شِرْكٌ (أكبر في مثل هذا الأمر، ولو كانت مخلوقةً ما أرشد ﷺ إلى الاستعاذة بها).
الرَّابِعَةُ: فَضِيلَةُ هَذَا الدُّعَاءِ مَعَ اخْتِصَارِهِ (لا يضرُّك شيءٌ ما دمت في هذا المنزل).
الْخَامِسَةُ: أَنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ يَحْصُلُ بِهِ مَنْفَعَةٌ دُنْيَوِيَةٌ، مِنْ كَفِّ شَرٍّ أَوْ جَلْبِ نَفْعٍ، لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الشِّرْكِ (فلا يلزم من حصول النَّفع أن ينتفي الشِّرك).
فوائد أخرى:
في الحديث أنَّ الشَّرع لا يبطل أمرًا من أمور الجاهليَّة إلَّا ذكر ما هو خيرٌ منه؛ من ذلك أنَّهم في الجاهليَّة كانوا يستعيذون بالجنِّ، فأبدلها الشَّرع بهذه الكلمات.
وهذه الطَّريقة السَّليمة الَّتي ينبغي أن يكون عليها الدَّاعية، أنَّه إذا سدَّ على النَّاس باب الشَّرِّ؛ وجب عليه أن يفتح لهم باب الخير، وهذا له أمثلةٌ كثيرةٌ في الكتاب والسُّنَّة.