[15] بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ ﴾ الآيَةَ
- بيَّن الله عجز هذه الأصنام، وأنَّها لا تصلح أن تكون معبودةً من أربعة وجوهٍ:
[1] أنَّها لا تخلق، ومن لا يخلق لا يستحقُّ أن يُعبد.
[2] أنَّهم مخلوقون من العدم، فهم مفتقرون إلى غيرهم ابتداءً ودوامًا.
[3] أنَّهم لا يستطيعون نصر الدَّاعي لهم. [4] أنَّهم لا يستطيعون نصر أنفسهم.
الدَّليل الثَّاني:
وَقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ ﴾الآيَةَ.
- · ﴿ قِطْمِيرٍ﴾: وهي اللُّفافة الرَّقيقة الَّتي على نواة التَّمر.
- أبطل الله عبادة ما سواه بأمورٍ:
[1] أنَّهم ليس لهم ملكٌ. [2] أنَّهم لا يسمعون.
[3] أنَّنا لو افترضنا أنَّهم يسمعون ما استجابوا؛ لأنَّهم لا يقدرون على ذلك.
[4] يوم القيامة يأتي الله بما كان يُعبد من دونه فتكفر بشرك من يُشرك بها.
الدَّليل الثَّالث إلى السَّادس:
[3] وَقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ ﴾الآيَةَ.
[4]وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: شُجَّ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، وَكُسِـرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، فَقَالَ: «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ؟» فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾.
[5] وَفِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه : أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ -إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ مِنَ الْفَجْرِ-: «اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا»، بَعْدَ مَا يَقُولُ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْـحَمْدُ»؛ فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾.
وَفِي رِوَايَةٍ: يَدْعُو عَلَى صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَالْـحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ﴾.
[6] وَفِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ أُنْزِلَ عَلَيهِ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ﴾، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ؛ لَا أُغْنِي عَنكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا صَفِيَّةُ - عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ - لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، سَلِينِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا».
- · «شُجَّ»: الشَّجَّة: الجرح في الرَّأس والوجه خاصَّةً.
- · «رَبَاعِيَتُهُ»: السِّنَّان المتوسِّطان يُسمَّيان ثنايا، واللَّذان يَلِيانهما يُسمَّيان رباعيَتين.
- فيه أنَّ النَّبيَّ ﷺ بشرٌ يصيبه ما يصيب البشر، وبطلان عبادته ﷺ.
- فيه عبرةٌ للمعتبر؛ بأن لا نستبعد رحمة الله عن أيِّ إنسانٍ كان عاصيًا.
- · «صَفْوَان بْن أُمَيَّةَ، وَسُهَيْل بْن عَمْرٍو، وَالْـحَارِث بْن هِشَامٍ»، وقد أسلم هؤلاء الثَّلاثة وحَسُنَ إسلامهم، فتأمَّل الآن أنَّ العداوة قد تنقلب إلى ولايةٍ.
- المَنهيُّ عنه هو:
[1] لعن الكُفَّار على وجه التَّعيين، أمَّا لعنهم عمومًا فلا بأس به، ولا بأس من الدُّعاء على الكافر بقولنا: اللَّهمَّ! أرح المسلمين منه.
[2] الدُّعاء بالهلاك لعموم الكفَّار، فلم يدع ﷺ عليهم، وقدَّر الله بقاءهم.
المسائل:
الْأُولَى: تَفْسِيرُ الْآيَتَيْنِ (وفيهما بطلان عبادة الأصنام وما سوى الله).
الثَّانِيَةُ: قِصَّةُ أُحُدٍ (فيها بطلان عبادته ﷺ فغيره من باب أولى).
الثَّالِثَةُ: قُنُوتُ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، وَخَلْفَهُ سَادَاتُ الْأَوْلِيَاءِ يُؤَمِّنُونَ فِي الصَّلَاةِ (لا أحد من هذه الأمَّة أقرب إلى الله منه ﷺ وأصحابه، ومع ذلك يلجؤون إلى الله، فغيرهم أولى).
الرَّابِعَةُ: أَنَّ الْمَدْعُوَّ عَلَيْهِمْ كُفَّارٌ (ولا يملك ﷺ من أمرهم شيئًا).
الْخَامِسَةُ: أَنَّهُمْ فَعَلُوا أَشْيَاءَ مَا فَعَلَهَا غَالِبُ الْكُفَّارِ، مِنْهَا شَجُّهُمْ نَبِيَّهُمْ، وَحِرْصُهُمْ عَلَى قَتْلِهِ، وَمِنْهَا التَّمْثِيلُ بِالْقَتْلَى، مَعَ أَنَّهُمْ بَنُو عَمِّهِمْ.
السَّادِسَةُ: أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (فالأمر لله).
السَّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ فَتَابَ عَلَيْهِمْ فَآمَنُوا.
الثَّامِنَةُ: الْقُنُوتُ فِي النَّوَازِلِ (لا يُشرع إلَّا في الأمور الَّتي نزلت من الله كالزَّلازل).
التَّاسِعَةُ: تَسْمِيَةُ الْمَدْعُوِّ عَلَيْهِمْ فِي الصَّلَاةِ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ (جائزٌ).
الْعَاشِرَةُ: لَعْنُ الْمُعَيَّنِ فِي الْقُنُوتِ (وقع ثمَّ نُهي عنه).
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: قِصَّتُهُ ﷺ لَمَّا أُنْزَلَ عَلَيْهِ ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ (امتثل أمر الله).
الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: جِدُّهُ ﷺ فِي هَذَا الْأَمْرِ، بِحَيْثُ فَعَلَ مَا نُسِبَ بِسَبَبِهِ إِلَى الْجُنُونِ، وَكَذَلِكَ لَوْ يَفْعَلُهُ مُسْلِمٌ الْآنَ (فيجب بذل الجهد والاجتهاد في الدَّعوة بالحكمة).
الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ لِلْأَبْعَدِ وَالْأَقْرَبِ : «لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا» حَتَّى قَالَ «يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ! لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا» فَإِذَا صَرَّحَ -وَهُوَ سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ- بِأَنَّهُ لَا يُغْنِي شَيْئًا عَنْ سَيِّدَةِ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، وَآمَنَ الْإِنْسَانُ بِأَنَّهُ لَا يَقُولُ إِلَّا الْحَقَّ، ثُمَّ نَظَرَ فِيمَا وَقَعَ فِي قُلُوبِ خَوَاصِّ النَّاسِ الْيَوْمَ، تَبَيَّنَ لَهُ تَرْكُ التَّوْحِيدِ وَغُرْبَةُ الدِّينِ (الَّذي ينفع بالنِّسبة له ﷺ هو الإيمان به واتِّباعه، ثمَّ إنَّ المؤمن عاطفتُه وميلُه للرَّسول ﷺ أمرٌ لا يُنكر، لكنَّ الإنسان لا ينبغي له أن يُحكِّم العاطفة، بل يجب عليه أن يتبع ما دلَّ عليه الكتاب والسُّنَّة وأيَّده العقل الصَّريح السَّالم من الشُّبُهات والشَّهوات).