[18] بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾الآية
الدَّليل الثَّاني:
فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ الْـمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَـمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ، جَاءهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَعِنْدَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ وَأَبُو جَهْلٍ، فَقَالَ لَهُ: «يَا عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ»، فَقَالَا لَهُ: أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْـمُطَّلِبِ؟ فَأَعَادَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ، فَأَعَادَا، فَكَانَ آخِرَ مَا قَالَ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْـمُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ»، فَأَنْزَلَ اللهُ تعالى :﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ﴾، وَأَنْزَلَ اللهُ فِي أَبِي طَالِبٍ:﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ ﴾.
أقسام الهداية:
| هداية التَّوفيق: لا يملكها إلَّا الله ﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾. | هداية الدَّلالة والإرشاد: يملكها ﷺ ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾. |
- جاء المُؤلِّف رحمه الله بهذا الباب ليُبيِّن أنَّه لا يستطيع أحدٌ أن يهدي أحدًا هداية توفيقٍ، فيقوم بما أمر الله به.
- إشكالٌ: كيف يحبُّ النَّبيُّ ﷺ أبا طالبٍ وهو كافرٌ؟ إمَّا أن يكون تقدير الكلام: [1] من أحببتَ هدايته لا من أحببتَه هو (وهذا أقوى الأقوال)، [2] أو من أحببتَ محبَّةً طبيعيَّةً، وهي جائزةٌ، [3] أو من أحببتَه قبل النَّهي عن محبَّة الكفار.
- · «جَاءهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ»: فيه استحباب زيارة الكافر إذا رُجي إسلامُه.
- · «يَا عَمِّ»: أتى بهذه الكنية الدَّالَّة على العطف، وهذا من الحكمة في الدَّعوة.
- كيف نجمع بين هذا الحديث وقول العلماء يُسنُّ تلقين المحتضر دون قول: قل؟ الجواب: أنَّ أبا طالبٍ كان كافرًا، فإذا قيل له: قل، وأبى؛ فهو باقٍ على كفره، لم يضرَّه التَّلقين بهذا، بخلاف المسلم فهو على خطرٍ؛ لأنَّه ربَّما يضرُّه التَّلقين.
- · «حَضَرَتْ» أي: ظهر عليه علامات الموت ولم ينزل به، وعلى هذا فهل تُقبل توبته؟ الصَّحيح أنَّها لا تُقبل: [1] لأنَّ الآية ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ منطبقةٌ تمامًا على الحديث.
[2] لأنَّه قال: «أُحَاجُّ لَكَ»، ولم يجزم بنفعها له.
- هذا الأمر خاصٌّ بالنَّبيِّ ﷺ يشفع في عمِّه مع كفره.
- المسيَّب وعبد الله بن أبي أميَّة أسلما ﭭ، بخلاف أبي طالبٍ وأبي جهلٍ.
- · «هُوَ عَلَى مِلَّةِ»: وضع مكان (أنا) الضَّمير (هو)، ففيه تحقيق الرُّواة للتَّوحيد.
المسائل:
الْأُولَى: تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ الْآيَةَ.
الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ قَوْلِهِ ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾ الْآيَةَ (يحرم إظهار الحزن لموتهم وتعزيتهم).
الثَّالِثَةُ: وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الْكَبِيرَةُ، تَفْسِيرُ قَوْلِهِ : «قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» بِخِلَافِ مَا عَلَيْهِ مَنْ يَدَّعِي الْعِلْمَ (ولهذا أبى أن يقولها).
الرَّابِعَةُ: أَنَّ أَبَا جَهْلٍ وَمَنْ مَعَهُ يَعْرِفُونَ مُرَادَ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا قَالَ لِلرَّجُلِ قُلْ : (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)؛ فَقَبَّحَ اللَّهُ مَنْ أَبُو جَهْلٍ أَعْلَمُ مِنْهُ بِأَصْلِ الْإِسْلَامِ.
الْخَامِسَةُ: جِدُّهُ ﷺ وَمُبَالَغَتُهُ فِي إِسْلَامِ عَمِّهِ ([1] لقرابته، [2] لما أسدى للرَّسول ﷺ والإسلام من معروفٍ؛ فهو على هذا مشكورٌ، وإن كان على كفره مأزورًا).
السَّادِسَةُ: الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ إِسْلَامَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَسْلَافِهِ (ملَّتهم الكفر).
السَّابِعَةُ: كَوْنُهُ ﷺ اسْتَغْفَرَ لَهُ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، بَلْ نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ (الأمر بيد الله).
الثَّامِنَةُ: مَضَرَّةُ أَصْحَابِ السُّوءِ عَلَى الْإِنْسَانِ.
التَّاسِعَةُ: مَضَرَّةُ تَعْظِيمِ الْأَسْلَافِ وَالْأَكَابِرِ (إذا كانوا على الباطل).
الْعَاشِرَةُ: الشُّبْهَةُ لِلْمُبْطِلِينَ فِي ذَلِكَ؛ لِاسْتِدْلَالِ أَبِي جَهْلٍ بِذَلِكَ.
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: الشَّاهِدُ لِكَوْنِ الْأَعْمَالِ بِالْخَوَاتِيمِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَهَا لَنَفَعَتْهُ.
الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: التَّأَمُّلُ فِي كِبَرِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ فِي قُلُوبِ الضَّالِّينَ؛ لِأَنَّ فِي الْقِصَّةِ أَنَّهُمْ لَمْ يُجَادِلُوهُ إِلَّا بِهَا، مَعَ مُبَالَغَتِهِ ﷺ وَتَكْرِيرِهِ؛ فَلِأَجْلِ عَظَمَتِهَا وَوُضُوحِهَا عِنْدَهُمْ اقْتَصَرُوا عَلَيْهَا (وهي شبهة تعظيم الأسلاف والأكابر).