ختم بهذا الباب -والله أعلم-:
[1] حتَّى لا نكون كالمُشركين الَّذين لم يُعظِّموا الخالق.
[2] حتَّى لا نغتر بعملنا، فلابدَّ في عمل المرء من تقصيرٍ، فيتذلَّل العبد لله ويخضع له.
[3] اقتداءً بالإمام البُخاريِّ رحمه اللع في ختمه بحديث «ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ»؛ فكأنَّه يدعو الله أن يثقِّل مَوازينه بهذا الكتاب كما ثقُلت هذه المخلوقات، ويستغفر من الزَّلل.
[67] بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾
الضَّمير يعود على المشركين؛ ما عظَّموا الله حقَّ تعظيمه حيث أشركوا به ما كان من مخلوقاته، وهو مُنَزَّهٌ عن كلِّ نقصٍ وعيبٍ، وممَّا يُنزَّه عنه الأندادُ، ولو عظَّموه حقَّ تعظيمه لما عبدوا وأطاعوا غيره.
الدَّليل الثَّاني:
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ حِـَـبْرٌ مِنَ الأَحْبَارِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا نَجِدُ أَنَّ اللهَ يَجْعَلُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْـمَاءَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْـخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ، فَيَقُولُ: أَنَا الْـمَلِكُ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ؛ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الْحِـَـبْرِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ الآيَةَ، وَفِي رِوَايَةٍ لِـمُسْلِمٍ: «وَالْجِبَالَ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ فَيَقُولُ: أَنَا الْـمَلِكُ، أَنَا اللهُ»، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «يَجْعَلُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْـمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْـخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ». أَخْرَجَاهُ.
- · «حِـَـبْرٌ»: هو العالم الكثير العلم، ويُقال له: بحرٌ، «إِنَّا نَجِدُ»: أي: في التَّوراة.
- فيه إثبات الأصابع لله، أصابع حَقيقيَّةٌ تليق بالله كما أنَّ اليد يدٌ حقيقيَّةٌ تليق بالله.
الدَّليل الثَّالث إلى الخامس:
[3] وَلِـمُـسْلِمٍ عَن ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «يَطْوِي اللهُ السَّمَوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْـمَلِكُ، أَيْنَ الْـجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْـمُتَكَبِّرُونَ؟ ثُمَّ يَطْوِي الْأَرَضِينَ السَّبْعَ، ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِشِمَالِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْـمَلِكُ، أَيْنَ الْـجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْـمُتَكَبِّرُونَ؟».
[4] وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «مَا السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرَضُونَ السَّبْعُ فِي كَفِّ الرَّحْـمَنِ؛ إِلَّا كَخَرْدَلَةٍ فِي يَدِ أَحَدِكُمْ».
[5] وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا السَّمَوَاتُ السَّبْعُ فِي الْكُرْسِيِّ؛ إِلَّا كَدَرَاهِمَ سَبْعَةٍ أُلْقِيَتْ فِي تُرْسٍ»، وَقَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ رضي الله عنه : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا الْكُرْسِيُّ فِي الْعَرْشِ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ، أُلْقِيَتْ بَيْنَ ظَهْرَيْ فَلَاةٍ مِنَ الأَرْضِ».
- · «أَنَا الْـمَلِكُ»: أنا الَّذي لي المِلكيَّة المُطلقة والسُّلطان التَّامُّ لا ينازعني فيهما أحدٌ.
- · «أَيْنَ الْـجَبَّارُونَ؟»: الاستفهام للتَّحدِّي، أي: أين الملوك الَّذين كانوا في الدُّنيا لهم السُّلطة والتَّجبُّر والتَّكبُّر على عباد الله؟ وهم في ذلك الوقت يُحشرون أمثال الذَّرِّ يَطؤُهم النَّاس بأقدامهم.
- · «بِشِمَالِهِ»: زيادةٌ شاذَّةٌ، وإذا قدَّرنا أنَّها مَحفوظةٌ فإنَّها تكون بمعنى اليد الأخرى ولا تُنافي «كِلْتَا يَديه يَمِين»؛ وليست كشِمال المخلوق الَّتي هي ناقصةٌ عن اليمين.
- · «كَخَرْدَلَةٍ»: حبَّة نباتٍ صغيرةٍ جدًّا، وهذا يدلُّ على عظمته سبحانه، وأنَّه لا يُحيط به شيءٌ علمًا.
- · «الْكُرْسِيِّ»: مَوضع قَدمي الله جل و علا، «تُرْسٍ»: شيءٍ من جلدٍ أو خشبٍ يُحمل عند القتال، يُتَّقى به السَّيف والرُّمح ونحوهما.
- · «الْعَرْشِ»: المَخلوق العظيم الَّذي استوى عليه الرَّحمن، ولا يقدر قدره إلَّا الله.
- الحديث يدلُّ على عظمته جل وعلا ، فيكون مُناسبًا لتفسير الآية في ترجمة الباب.
الدَّليلان السَّادس والسَّابع:
[6] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «بَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَالَّتِي تَلِيهَا خَمْسُمِائَةِ عَامٍ، وَبَيْنَ كُلِّ سَمَاءٍ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ، وَبَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَالْكُرْسِيِّ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ، وَبَيْنَ الْكُرْسِيِّ وَالْـمَاءِ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ، وَالْعَرْشُ فَوْقَ الْـمَاءِ، وَاللهُ فَوْقَ الْعَرْشِ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِكُمْ». أَخْرَجَهُ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، وَرَوَاهُ بِنَحْوِهِ الْـمَسْعُودِيُّ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ؛ قَالَهُ الْـحَافِظُ الذَّهَبِيُّ رحمه الله تَعَالَى، قَالَ: «وَلَهُ طُرُقٌ».
[7] وَعَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْـمُطَّلِبِ رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «هَلْ تَدْرُونَ كَمْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ؟»، قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، وَبَيْنَ كُلِّ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، وَكِثَفُ كُلِّ سَمَاءٍ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، وَبَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَالْعَرْشِ بَحْرٌ بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلَاهُ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَاللهُ تَعَالَى فَوْقَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِ بَنِي آدَمَ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ.
- · «وَاللهُ فَوْقَ الْعَرْشِ»: نصٌّ صريحٌ على إثبات العلوِّ لله تعالى في الذَّات والصِّفات.
- · «لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِكُمْ»: أعمال القلوب والجوارح المرئيِّ منها والمسموع، وذلك لعموم علمه وسعته، وإنَّما أتى بذلك بعد ذكر عُلُوِّه ليُبيِّن أنَّ عُلُوَّه لا يمنع علمه بأعمالنا، وهو إشارةٌ واضحةٌ إلى عُلُوِّ ذاته سبحانه وتعالى.
- · «هَلْ»: استفهاميَّةٌ يُراد بها أمران:
[1] التَّشويق لما سيُذكر. [2] التَّنبيه إلى ما سيلقيه عليهم.
- · «اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ»: تُقال في: [1] حياته ﷺ، [2] وفي الأمور الشَّرعيَّة الَّتي علمها.
- فيه تعظيم الله والحذر من مخالفته؛ لأنَّه فوقنا، فهو عالٍ علينا، وأمره مُحيطٌ بنا.
المسائل:
الْأُولَى: تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾.
الثَّانِيَةُ: أَنَّ هَذِهِ الْعُلُومَ وَأَمْثَالَهَا بَاقِيَةٌ عِنْدَ الْيَهُودِ الَّذِينَ فِي زَمَنِهِ ﷺ، لَمْ يُنْكِرُوهَا، وَلَمْ يَتَأَوَّلُوهَا (كأنَّه يقول: اليهود خيرٌ من المُحرِّفين لها؛ لأنَّهم لم يُكذِّبوها ويتأوَّلوها).
الثَّالِثَةُ: أَنَّ الْـحَبْرَ لَـمَّا ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ صَدَّقَهُ، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ بِتَقْرِيرِ ذَلِكَ.
الرَّابِعَةُ: وُقُوعُ الضَّحِكِ الكَثِيرِ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَـمّا ذَكَرَ الْحَـِبْرُ هَذَا الْعِلْـمَ الْعَظِيمَ.
الْـخَامِسَةُ: التَّصْرِيحُ بِذِكْرِ الْيَدَيْنِ، وَأَنَّ السَّمَوَاتِ فِي الْيَدِ الْيُمْنَى، وَالْأَرَضِينَ فِي الْيَدِ الْأُخْرَى (وقد ثبتت اليدان لله بالكتاب والسُّنَّة وإجماع السَّلف).
السَّادِسَةُ: التَّصْرِيحُ بِتَسْمِيَتِهَا الشِّمَالَ (روايةٌ شاذَّةٌ).
السَّابِعَةُ: ذَكَرَ الْـجَبَّارِينَ وَالْـمُتَكَبِّرِينَ عِنْدَ ذَلِكَ.
الثَّامِنَةُ: قَوْلُهُ: «كَخَرْدَلَةٍ فِي كَفِّ أَحَدِكُمْ».
التَّاسِعَةُ: عِظَمُ الْكُرْسِيِّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى السَّمَوَاتِ (كدَراهم سبعةٍ ألقيت في تُرسٍ).
الْعَاشِرَةُ: عَظَمَةُ الْعَرْشِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكُرْسِيِّ (كحلقةٍ أُلقيت في فلاةٍ).
الْـحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ الْعَرْشَ غَيْرُ الْكُرْسِيِّ.
الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: كَمْ بَيْنَ كُلِّ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ (خمسائة عامٍ).
الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: كَمْ بَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَالْكُرْسِيِّ؟ (خمسائة عامٍ).
الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: كَمْ بَيْنَ الْكُرْسِيِّ وَالْـمَاءِ؟ (خمسائة عامٍ).
الْـخَامِسَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ الْعَرْشَ فَوْقَ الْـمَاءِ.
السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: كَمْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ؟ (خمسائة عامٍ).
الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: كِثَفُ كُلِّ سَمَاءٍ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ.
التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ الْبَحْرَ الَّذِي فَوْقَ السَّمَوَاتِ بَيْنَ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ (ويستفاد من أحاديث الباب: [1] التَّحذير من مُخالفة الله.
[2] أنَّ الله لا يخفى عليه شيءٌ من أعمال بني آدم).
والله أعلم، والحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا مُحمَّدٍ ﷺ،ٍ وأسأل الله أن يختم لنا ولكم بالتَّوحيد؛ آمين.