[24] بَابُ مَا جَاءَ فِي السِّحْرِ
السِّحر لا يتأتَّى إلَّا عن طريق الشِّرك، فالشَّياطين لا تخدم الإنسان إلَّا لمصلحةٍ، وهي إغواء بني آدم وإدخالهم في الشِّرك والمعاصي.
الدَّليلان الأوَّل والثَّاني:
[1] وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۚ ﴾.
[2] وَقَوْلِـِهِ: ﴿ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾، قَالَ عُمَرُ: (الجبتُ: السِّحْرُ، وَالطَّاغُوتُ: الشَّيْطَانُ)، وَقَالَ جَابِرٌ: (الطَّوَاغِيتُ: كُهَّانٌ كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، فِي كُلِّ حَيٍّ وَاحِدٌ).
- · ﴿ اشْتَرَاهُ﴾: أي تعلَّمه.
- · «الطَّاغُوتُ: الشَّيْطَانُ»: من التَّفسير بالمثال؛ لأنَّ الطَّاغوت أعمُّ من الشَّيطان.
هل ينتفي الخلاق (النَّصيب) بالكلِّيَّة أم ينتفي بعضه؟
القول الأوَّل: آيات الوعيد تُمَرُّ كما جاءت، ولا يُحرص على جمعها مع آيات الوعد بالمغفرة حتَّى لا يقلِّل من شأنها؛ لقوله: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾؛ لأنَّ الله ساقها مساق التَّخويف والتَّرهيب من هذا الفعل.
القول الثَّاني: تُضَمُّ نصوص الوعيد إلى نصوص الوعد، وينتفي النَّصيب على تفصيلٍ:
ينتفي كلُّه: إذا كان السِّحر باستعمال الشَّياطين.
ينتفي بعضه: إذا كان باستعمال أدويةٍ وعقاقير.
الدَّليل الثَّالث:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَرضي الله عنه ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْـمُوبِقَاتِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْـحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْـمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْـمُؤْمِنَاتِ».
- · «اجْتَنِبُوا»: أي: اتركوا مع البعد، بأن نكون في جانبٍ وهي في جانبٍ آخر.
- · «السَّبْعَ»: هذا لا يقتضي الحصر، فإنَّ هناك موبقاتٍ أخرى.
- · «وَأَكْلُ الرِّبَا»: معناه أخذه، سواءٌ استعمله في الأكل أو الفرش أو غير ذلك، والرِّبا هو تفاضلٌ في عقدٍ بين أشياء يجب فيها التَّساوي، ونسأٌ في عقدٍ بين أشياء يجب فيها التَّقابض، وينقسم إلى قسمين: [1] ربا فضلٍ (زيادةٍ)، [2] ربا نسيئةٍ (تأخيرٍ).
- · «وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ»: واليتيم هو من مات أبوه قبل بلوغه، ذكرًا كان أم أنثى.
- · «وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ»: الإدبار يوم تلاحم الصَّفَّين في القتال مع الكُفَّار.
- · «وَقَذْفُ الْـمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْـمُؤْمِنَاتِ»: رمي المؤمنة الحرَّة بالزِّنا.
«وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ» وهي أربعٌ:
| المؤمن: لإيمانه. | الذِّمِّيّ: الَّذي بيننا وبينه ذِمَّةٌ مع بذل الجزية. | المُعاهد: بيننا وبينه عهدٌ أن لا يحاربنا ولا نحاربه. | الْمُستأمَن: بيننا وبينه أمانٌ لتجارةٍ أو ليفهم الإسلام. |
«إِلَّا بِالْـحَقِّ» وهي ثلاثٌ:
| النَّفس بالنَّفس | الثَّيِّب الزَّاني | التَّارك لدينه المفارق للجماعة |
والتَّولِّي يجوز في ثلاثة مواضع:
| ﴿ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ﴾: كمن ينصرف ليصلح من شأنه ويهيِّء الأسلحة، أو ينحرف ليأتي من جهةٍ أخرى. | ﴿ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ﴾: ينضمُّ مع طائفةٍ أخرى لضرورةٍ، بشرط ألَّا يكون على الجيش ضررٌ. | إذا كان الكفَّار أكثر من مِثلي المسلمين: فيجوز الفرار حينئذٍ. |
الدَّليل الرَّابع إلى السَّابع:
[4] وَعَنْ جُنْدُبٍ مَرْفُوعًا: «حَدُّ السَّاحِرِ: ضَرْبُهُ بِالسَّيْفِ». رَوَاهُ التَّرْمَذِيُّ، وَقَالَ: (الصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ).
[5] وَفِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» عَنْ بَجَالَةَ بْنِ عَبَدَةَ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْـخَطَّابِ: أَنِ اقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ وَسَاحِرَةٍ، قَالَ: فَقَتَلْنَا ثَلَاثَ سَوَاحِرَ.
[6] وَصَحَّ عَنْ حَفْصَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا أَمَرَتْ بِقَتْلِ جَارِيةٍ لَهَا سَحَرَتْهَا، فَقُتِلَتْ.
[7] وَكَذَا صَحَّ عَنْ جُنْدَبٍ. قَالَ أَحْمَدُ: (عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ).
ما هو حكم السَّاحر؟
القول الأوَّل
(محمَّد بن عبد الوهَّاب رحمه الله):
السِّحر كلُّه كفرٌ، والسَّاحر يُقتل مُطلقًا، وتوبته عند الله تعالى.
القول الثَّاني (الشَّافعيُّ رحمه الله تعالى) :
وهذا الَّذي رجَّحه الشَّيخ ابن عثيمين رحمه الله:
| سحر الشَّياطين: فاعله مُرتَدٌّ يُستتاب، فإن تاب قتلناه حدًّا لأنَّه مسلمٌ، وإن لم يتب قتلناه على أنَّه كافرٌ مُرتدٌّ. | سحر الأدوية والعقاقير: حكم فاعله هو حكم الصَّائل المعتدي ، ويُقتل حدًّا على أنَّه مسلمٌ. |
المسائل:
الْأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ الْبَقَرَةِ ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾.
الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ النِّسَاءِ ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾.
الثَّالِثَةُ: تَفْسِيرُ الْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا (الجبت: كلُّ ما لا خير فيه من السِّحر وغيره، والطَّاغوت: كلُّ ما تجاوز به العبد حدَّه من مَعبودٍ أو مَتبوعٍ أو مُطاعٍ).
الرَّابِعَةُ: أَنَّ الطَّاغُوتَ قَدْ يَكُونُ مِنَ الْجِنِّ، وَقَدْ يَكُونُ مِنَ الْإِنْسِ (الطَّاغوت إذا أُطلق فالمُراد به شيطان الجنِّ، والكاهن شيطان الإنس).
الْـخَامِسَةُ: مَعْرِفَةُ السَّبْعِ الْـمُوبِقَاتِ الْـمَخْصُوصَةِ بِالنَّهْيِ.
السَّادِسَةُ: أَنَّ السَّاحِرَ يَكْفُرُ.
السَّابِعَةُ: يُقْتَلُ وَلَا يُسْتَتَابُ (الحدُّ إذا بلغ الإمام لا يُستَتاب صاحبه، بل يُقتل بكلِّ حالٍ، أمَّا الكفر فإنَّ صاحبه يُستتاب).
الثَّامِنَةُ: وُجُودُ هَذَا فِي الْـمُسْلِمِينَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ، فَكَيْفَ بَعْدَهُ؟!
القول بقتل السَّاحر من السُّلطان مُوافقٌ للقواعد الشَّرعيَّة؛ لأنَّهم يسعون في الأرض فسادًا، وفسادهم من أعظم الفساد، فقتلهم واجبٌ على الإمام، ولا يجوز للإمام أن يتخلَّف عن قتلهم؛ لأنَّ مثل هؤلاء إذا تُركوا وشأنهم انتشر فسادهم في أرضهم وفي أرض غيرهم، وإذا قُتلوا سَلِمَ النَّاس من شرِّهم، وارتدع النَّاس عن تعاطي السِّحر.