[5] بَابُ الدُّعَاءِ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ
لماذا جاء المصنِّف بهذا الباب؟
- لمَّا ذكر توحيد الإنسان بنفسه ذكر دعوة غيره إلى ذلك؛ لأنَّه لا يتمُّ الإيمان إلَّا إذا دعا إلى التَّوحيد، فلابدَّ مع التَّوحيد من الدَّعوة إليه، وإلَّا كان ناقصًا.
- للرَّدِّ على من يقول أنَّ أوَّل ما يُبدأ به هو الصَّلاة، لا التَّوحيد.
الدَّليل الأوَّل:
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى:﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ الآيَةَ.
- · ﴿سَبِيلِي﴾: طريقي، ويشمل ما جاء به النَّبيُّ ﷺ من الشَّرع عبادةً ودعوةً إلى الله.
- · ﴿ إِلَى اللَّهِ ﴾: الدُّعاة ينقسمون إلى: [1] داعٍ إلى الله. [2] داعٍ إلى غيره.
- · ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾: يشمل: [1] العلم الشَّرعيَّ، [2] العلم بحال المَدعوِّ، [3] الحكمة.
شروط الدَّعوة إلى الله:
[1] الإخلاص. [2] العلم الشَّرعيُّ. [3] الحكمة.
[4] معرفة حال المَدعوِّ. [5] الصَّبر.
الدَّليل الثَّاني:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَـمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ قَالَ لَهُ: «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ - وَفِي رِوَايَةٍ: إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللهَ - فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْـمَظْلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ»، أَخْرَجَاهُ.
- في الحديث:
- مشروعيَّة إرسال الدُّعاة إلى الله تعالى، وتعليمهم.
- بَعْثُ النَّبيِّ ﷺ رجلًا واحدًا، وفيه قبول خبر الواحد وإن كان في العقيدة.
- لم يشترط أيَّامًا معدودةً للدَّعوة، فيمكث عندهم حسب حاجتهم.
- كيفيَّة دعوة المخالفين، وأسهل طريقةٍ هي دعوتهم إلى التَّوحيد، لا المناظرة.
- لا يكفي الدَّعوة إلى الإسلام فقط، بل يخبرهم بما يجب عليهم فيه حتَّى يقتنعوا به ويلتزموا، لكن على التَّرتيب الَّذي في حديث بعث معاذٍ رضي الله عنه.
الدَّليل الثَّالث:
وَلَهُمَا عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ: «لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، يَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ»، فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا، فَلَمَّا أَصْبَحُوا غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا، فَقَالَ: «أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟»، فَقِيلَ: هُوَ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ فَأُتِيَ بِهِ، فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ؛ فَبَرَأَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ، فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ، فَقَالَ: «انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللهِ تَعَالَى فِيهِ، فَوَاللهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ».
«يَدُوكُونَ»؛ أَيْ: يَخُوضُونَ.
- إثبات صفة المحبَّة لله، وأنَّ الله يُحِبُّ ويُحَبُّ لكن ليست المحبَّة كالمحبَّة.
- ثبوت الفضل الخاصِّ لا يستلزم ثبوت الفضل العامِّ؛ كقوله ﷺ في أبي عبيدة رضي الله عنه أنَّه «أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ» وهذا لا يعني أنَّه أفضل الصَّحابة، وكذلك معاذٌ رضي الله عنه.
- · «حُمْرِ النَّعَمِ»: هي الإبل الحمراء، وذكرها لأنَّها مَرغوبةٌ عند العرب.
خوارق العادات أربعٌ: وهي ما يأتي على خلاف ما اعتاده النَّاس؛ كأن يطير في الهواء أو يمشي على الماء:
1- الآية: تكون للأنبياء، ولا يُقال معجزةٌ؛ لأنَّ هذا الَّذي ورد في القرآن، والمعجزة قد يعجز عنها بعض النَّاس وتكون لغير الأنبياء، ولا يمكن لأحدٍ ادِّعاء آيةٍ بعد موت النَّبيِّ ﷺ.
2- الكرامة: تكون لأولياء الرَّحمن، وهم الَّذين جمعوا بين الإيمان والتَّقوى، ومثال الكرامة ما حصل مع أصحاب الكهف.
3- المعجزة أو الفتنة: تكون لأولياء الشَّيطان، نعرفها بمعرفة حال الشَّخص، لا إيمان ولا تقوى، ومثال المعجزة ما يحصل من الدَّجَّال.
4- الفضيحة: كلُّ من كذب على الله فضحه في الدُّنيا قبل الآخرة، ومثال الفضيحة ما حصل من مُسليمة الكذَّاب؛ نفث في عين مريضٍ فعميَ.
المسائل:
الْأُولَى: أَنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى اللَّهِ طَرِيقُ مَنِ اِتَّبَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (طريق الرُّسل وأتباعهم).
الثَّانِيَةُ: التَّنْبِيهُ عَلَى الْإِخْلَاصِ، لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَوْ دَعَا إِلَى الْحَقِّ، فَهُوَ يَدْعُو إِلَى نَفْسِهِ.
الثَّالِثَةُ: أَنَّ الْبَصِيْرَةَ مِنَ الْفَرَائِضِ (الدَّعوة فريضةٌ، فيكون العلم بذلك فريضةً).
الرَّابِعَةُ: مِنْ دَلَائِلِ حُسْنِ التَّوْحِيدِ كَوْنُهُ تَنْزِيهًا لِلَّهِ تَعَالَى عَنْ الْمَسَبَّةِ.
الْخَامِسَةُ: أَنَّ مِنْ قُبْحِ الشِّرْكِ كَوْنَهُ مَسَبَّةً لِلَّهِ (والمُوحِّد يُنزِّه الله عن النَّقائص).
السَّادِسَةُ: وَهِيَ مِنْ أَهَمِّهَا إِبْعَادُ الْمُسْلِمِ عَنْ الْمُشْرِكِينَ، لِئَلَّا يَصِيرَ مِنْهُمْ وَلَوْ لَمْ يُشْرِكْ (لأنَّه إذا كان بينهم ولو لم يكن مشركًا فهو في ظاهره منهم).
السَّابِعَةُ: كَوْنُ التَّوْحِيدِ أَوَّلَ وَاجِبٍ.
الثَّامِنَةُ: أَنَّهُ يُبْدَأُ بِهِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى الصَّلَاةِ.
التَّاسِعَةُ: أَنَّ مَعْنَى : «أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ» مَعْنَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
الْعَاشِرَةُ: أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهَا أَوْ يَعْرِفُهَا وَلَا يَعْمَلُ بِهَا.
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: التَّنْبِيهُ عَلَى التَّعْلِيمِ بِالتَّدْرِيجِ.
الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: الْبُدَاءَةُ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ (التَّوحيد أوَّلًا، ثمَّ الصَّلاة، ثمَّ الزَّكاة).
الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: مَصْرِفُ الزَّكَاةِ (الأصناف الثَّمانية).
الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: كَشْفُ الْعَالِمِ الشُّبْهَةَ عَنْ الْمُتَعَلِّمِ (بالتَّعليم ورفع الجهل عنه).
الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: النَّهْيُ عَنْ كَرَائِمِ الْأَمْوَالِ.
السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: اِتِّقَاءُ دَعْوَةِ الْمَظْلُومِ.
السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: الْإِخْبَارُ بِأَنَّهَا لَا تُحْجَبُ (فقرن بين التَّرغيب والتَّرهيب).
الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: مِنْ أَدِلَّةِ التَّوْحِيدِ مَا جَرَى عَلَى سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ وِسَادَاتِ الْأَوْلِيَاءِ مِنَ الْمَشَقَّةِ وَالْجُوعِ وَالْوَبَاءِ (تُؤخَذ من قصَّة خيبر).
التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ» إِلَخْ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ.
الْعِشْرُونَ: تَفْلُهُ فِي عَيْنَيْهِ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِهَا أَيْضًا.
الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ: فَضِيلَةُ عَلِيٍّ رضي الله عنه (وهذا من مناقب أمير المؤمنين رضي الله عنه).
الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ: فَضْلُ الصَّحَابَةِ فِي دَوْكِهِمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَشُغْلِهِمْ عَنْ بِشَارَةِ الْفَتْحِ.
الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ: الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ لِحُصُولِهَا لِمَنْ لَمْ يَسْعَ لَهَا وَمَنْعِهَا عَمَّنْ سَعَى.
الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ: الْأَدَبُ فِي قَوْلِهِ: «عَلَى رِسْلِكَ» (وأمره بالتَّمهُّل وعدم التَّسرُّع).
الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ: الدَّعْوَةُ إِلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ الْقِتَالِ.
السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ: أَنَّهُ مَشْرُوعٌ لِمَنْ دُعُوا قَبْلَ ذَلِكَ وَقُوتِلُوا.
السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ: الدَّعْوَةُ بِالْحِكْمَةِ لِقَوْلِهِ: «أَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ» (لأنَّه قد يُطبِّق هذا الإسلام وقد لا يُطبِّقه، فلابدَّ من تعاهده حتَّى لا يرجع إلى الكفر).
الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ: الْمَعْرِفَةُ بِحَقِّ اللَّهِ فِي الْإِسْلَامِ.
التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ: ثَوَابُ مَنِ اِهْتَدَى عَلَى يَدَيْهِ رَجُلٌ وَاحِدٌ (وأنَّه خيرٌ لك من كلِّ ما يُستَحسن في الدُّنيا).
الثَّلَاثُونَ: الْحَلِفُ عَلَى الْفُتْيَا (فإنَّه لا ينبغي الحلف على الفُتيا إلَّا لمصلحةٍ وفائدةٍ).