[7] بَابٌ مِنَ الشِّرْكِ لُبْسُ الْحَلْقَةِ وَالْخَيْطِ وَنَحْوِهِمَا لِرَفْعِ الْبَلَاءِ أَوْ دَفْعِهِ
- · «مِنَ الشِّرْكِ» أي: بعض الشِّرك، ومنه ما هو أكبر أو أصغر، ولهذا أطلق.
- «لرَفْعِ الْبَلَاءِ» بعد نزوله، «أَوْ دَفْعِهِ» قبل نزوله.
هل لبس الحلقة والخيط ونحوهما شركٌ أصغر أو أكبر؟
| شركٌ أكبر: إذا اعتقد أنَّها مؤثِّرةٌ بذاتها، وبيدها جلب المنافع ودفع المضارِّ. | شركٌ أصغر: إذا اعتقد أنَّها سببٌ مع أنَّ الله تعالى لم يجعلها سببًا لا حسِّيًّا ولا شرعيًّا. |
أقسام النَّاس في الاعتقاد في الأسباب ثلاثةٌ:
| صحيحٌ: أن يعتقد ويجعل ما جعله الله سببًا سببًا، والأسباب إمَّا حسِّيَّةٌ (كالدَّواء) أو شرعيَّةٌ (كالرُّقية). | شركٌ أصغر: أن يعتقد ويجعل ما لم يجعله الله سببًا سببًا، كتعليق رأس الثَّور لدفع العين، وهو ليس بسببٍ. | شركٌ أكبر: أن يعتقد أنَّها مؤثِّرةٌ بذاتها وبيدها جلب المنافع ودفع المضارِّ. |
انقسم النَّاس في الأخذ بالأسباب إلى طرفين ووسطٍ:
| ينكر الأسباب: ينفي حكمة الله، كالجبريَّة والأشاعرة. | يغلو في الأسباب:فيثبت ما ليس بسببٍ، كالصُّوفيَّة. | يتوسَّط في الأسباب: يثبت السَّبب الحسِّيَّ والشَّرعيَّ دون غيره. |
حكم المعلِّق للخيط ونحوه أنَّ له أحوالًا:
| أن يكون جاهلًا لحكمها. | فهذا يُعلَّم. |
| أن يعتقد أنَّها سببٌ، والله تعالى لم يجعلها سببًا. | فهذا شركٌ أصغر. |
| أن يعتقد بأنَّها مؤثِّرةٌ بذاتها وبيدها جلب المنافع ودفع المضارِّ. | فهذا شركٌ أكبر. |
| ليس لديه أيُّ اعتقادٍ ولكن يلبسها للزِّينة كحال بعض الشَّباب –هدانا الله وإيَّاهم- ، فكلُّ من رأى هذا التَّعليق قد يظنُّ أنَّه يجوز، ويكون بذلك قد فتح باب شرٍّ على النَّاس، وفيه تشبُّهٌ بالنِّساء والمشركين. | فهذا كبيرةٌ من كبائر الذُّنوب. |
الدَّليل الأوَّل:
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى:﴿ أَفَرَءَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَنِىَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَٰشِفَٰتُ ضُرِّهِۦٓ ﴾ الآيَةَ.
- هذه الأصنام لا تنفع أصحابها لا بجلب نفعٍ ولا بدفع ضرٍّ، فليست أسبابًا لذلك، ويُقاس عليها كلُّ ما ليس بسببٍ شرعيٍّ أو قَدَريٍّ؛ فيُعتبر اتِّخاذه سببًا إشراكًا مع الله سبحانه وتعالى.
- · ﴿قُلْ حَسْبيَ اللَّهُ ﴾: فيه تفويض الكفاية إلى الله دون الأسباب الوهميَّة.
الدَّليل الثَّاني:
عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا فِي يَدِهِ حَلْقَةٌ مِنْ صُفْرٍ، فَقَالَ: «مَا هٰذه؟»، قَالَ: مِنَ الْوَاهِنَةِ، فَقَالَ: «انْزِعْهَا؛ فَإِنَّهَا لَا تَزِيدُكَ إِلَّا وَهْنًا، فَإِنَّكَ لَوْ مُـِتَّ وَهِيَ عَلَيْكَ مَا أَفْلَحْتَ أَبَدًا». رَوَاهُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ لَا بَأْسَ بِهِ.
- · «حَلْقَةٌ مِنْ صُفْرٍ»: حلقةٌ من نحاسٍ ونحوه ولو كانت حديدًا أو خيوطًا.
- · «مَا هٰذه؟»: للتَّثبُّت قبل الإنكار، لأنَّه قد يظنُّ ما ليس بمُنكرٍ مُنكرًا.
- · «الْوَاهِنَةِ»: داءٌ يصيب العظام مثل الرُّوماتيزم، قصد بذلك أنَّها تدفع عنه هذا المرض وتحميه منه.
- · «لَا تَزِيدُكَ إِلَّا وَهْنًا»: أي ضعفًا في الجسم والاعتقاد، والجزاء من جنس العمل.
الدَّليل الثَّالث:
وَلَهُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَلَا أَتَمَّ اللهُ لَهُ، وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً فَلَا وَدَعَ اللهُ لَهُ». وَفِي رِوَايَةٍ: «مَنْ تَعَلَّق تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ».
- · «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً»: علَّقها وتعلَّق قلبه بها، ولهذا قال: «تَعَلَّقَ» ولم يقل: علَّق.
- · «فَلَا أَتَمَّ اللهُ لَهُ»: إمَّا أنَّ هذا دعاءٌ عليه، أو خبٌر مَحضٌ.
- · «وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً»: أشياء تُؤخَذ من البحر كالأصداف.
- · «فَلَا وَدَعَ اللهُ لَهُ»: لا تركه الله في دعةٍ، أي: سكونٍ، فعُومِل بنقيض قصده.
- · «فَقَدْ أَشْرَكَ»: شركًا أكبر إن اعتقد أنَّها تُؤثِّر بذاتها دون أمر الله، وإلَّا فهو أصغر.
الدَّليل الرَّابع:
وَلاِبْنِ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ حُذَيْفَةَ؛ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا فِي يَدِهِ خَيْطٌ مِنَ الْـحُمَّى، فَقَطَعَهُ، وَتَلَا قَوْلَهُ: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ ﴾.
- · «مِنَ الْـحُمَّى»: أي بسبب الحُمَّى لتبرد عليه أو يشفى منها.
- · «فَقَطَعَهُ»: تغييرًا للمُنكر باليد، وفيه قوَّة السَّلف في تغيير المُنكر.
- حكم التَّعليق: التَّعليق كلُّه مُحرَّمٌ: الحلقة، والخيط، والودع، والتَّمائم، وأعين الذِّئاب، والحافر، والنَّعل القديمة، والخرزة الزَّرقاء، والكفُّ، والعين، ورأس الثَّور، وتمثال الأسد، أو بعض الأشجار، والخرق، وغيرها.
المسائل:
الْأُولَى: التَّغْلِيظُ فِي لُبْسِ الْحَلْقَةِ وَالْخَيْطِ وَنَحْوِهِمَا لِمِثْلِ ذَلِكَ.
الثَّانِيَةُ: أَنَّ الصَّحَابِيَّ لَوْ مَاتَ وَهِيَ عَلَيْهِ مَا أَفْلَحَ؛ فِيهِ شَاهِدٌ لِكَلَامِ الصَّحَابَةِ أَنَّ الشِّرْكَ الْأَصْغَرَ أَكْبَرُ مِنَ الْكَبَائِر(لأنَّ الشِّرك لا يُغفر ولو كان أصغر؛ بخلاف الكبائر).
الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ لَمْ يُعْذَرْ بِالْجَهَالَةِ (لم يُعذَر بعد أن بيَّن له ﷺ، والجهل نوعان:
[1] جهلٌ لا يُعذَر فيه، وهو ما كان ناشئًا عن تفريطٍ وإهمالٍ مع قيام المقتضي للتَّعلُّم، فإنَّه لا يُعذر فيه، سواءٌ في الكفر أو في المعاصي.
[2] جهلٌ يُعذر فيه، وهو ما كان ناشئًا عن خلاف ذلك، أي أنَّه لم يهمل ولم يفرِّط ولم يقم المقتضي للتَّعلُّم بأن كان لم يطرأ على باله أنَّ هذا الشَّيء حرامٌ، فإنَّه يُعذر فيه، فإن كان منتسبًا إلى الإسلام لم يضرَّه، وإن كان منتسبًا إلى الكفر فهو كافرٌ في الدُّنيا، لكن في الآخرة أمره إلى الله).
الرَّابِعَةُ: أَنَّهَا لَا تَنْفَعُ فِي الْعَاجِلَةِ؛ بَلْ تَضُرُّ، لِقَوْلِهِ : «لَا تَزِيدُكَ إِلَّا وَهْنًا».
الْخَامِسَةُ: الْإِنْكَارُ بِالتَّغْلِيظِ عَلَى مَنْ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ.
السَّادِسَةُ: التَّصْرِيحُ بِأَنَّ مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا؛ وُكِلَ إِلَيْهِ.
السَّابِعَةُ: التَّصْرِيحُ بِأَنَّ مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً؛ فَقَدْ أَشْرَكَ.
الثَّامِنَةُ: أَنَّ تَعْلِيقَ الْخَيْطِ مِنَ الْحُمَّى مِنْ ذَلِكَ.
التَّاسِعَةُ: تِلَاوَةُ حُذَيْفَةَ الآيَةَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ يَسْتَدِلُّونَ بِالآيَاتِ الَّتِي فِي الشِّرْكِ الْأَكْبرِ عَلَى الْأَصْغَرِ؛ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي آيَةِ الْبَقَرَةِ (في المحبَّة).
الْعَاشِرَةُ: أَنَّ تَعْلِيقَ الْوَدَعَ مِنَ الْعَيْنِ مِنْ ذَلِكَ (من التَّمائم الشِّركيَّة).
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: الدُّعَاءُ عَلَى مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً أَنَّ اللهَ لَا يُتِمُّ لَهُ، وَمَنْ تَعَلَّقَ وَدَعَةً فَلَا وَدَعَ اللهُ لَهُ؛ أَيْ تَرَكَ اللهُ لَهُ (لا نخاطب فاعله بالتَّصريح فنقول لشخصٍ رأينا عليه تميمةً: لا أتمَّ الله لك، وذلك لأنَّ مُخاطبتنا الفاعل بالتَّصريح والتَّعيين قد يكون سببًا لنفوره، ولكن نقول: دع التَّمائم أو الودع ونقرأ عليه الحديث).