[21] بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الْغُلُوَّ فِي قُبور الصَّالِحِينَ يُصَيِّرُهَا أَوْثَانًا تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ
- هذا السَّبب الثَّالث لحدوث الشِّرك، فيؤول الأمر بالغالين إلى أن يعبدوا هذه القبور أو أصحابها، والغُلوُّ مُجاوزة الحدِّ مدحًا أو ذمًا.
- أقسام النَّاس تجاه القبور طرفان ووسطٌ: قسمٌ غلا فيها بالعبادة وبناء القِباب، وقسمٌ فرَّط فيما يجب لها من الاحترام بالجلوس عليها ونبشها، والحقُّ الوسط بينهما بأن تُحفظ حُرمتها ولا يُغلى فيها حتَّى تُعبد من دون لله.
الدَّليل الأوَّل إلى الرَّابع:
[1] رَوَى مَالِكٌ فِي «الْـمُوطَّأِ»؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبور أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ».
[2] وَلاِبْنِ جَرِيرٍ بِسَنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ:﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ﴾، قَالَ: (كَانَ يَلُتُّ لَهُمُ السَّوِيقَ فَمَاتَ، فَعَكَفُوا عَلَى قَبْرِهِ).
[3] وَكَذَا قَالَ أَبُو الْـجَوْزَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (كَانَ يَلُتُّ السَّوِيقَ لِلْـحَاجِّ).
[4] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَائِرَاتِ الْقُبور، وَالْـمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْـمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ». رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ.
- · «اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ»: صفةٌ حقيقيَّةٌ ثابتةٌ لله، لا تماثل غضب المخلوقين.
- · «اتَّخَذُوا قُبور أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»: إمَّا بالسُّجود عليها، أو بناء المساجد عليها.
- هل استُجيب لدعائه ﷺ بأن لا يُجعل قبره وثنًا يُعبد، أم اقتضت حكمة الله غير ذلك؟ قال ابن القيِّم رحه الله: إنَّ الله استجاب له، فلم يُذكر أنَّ قبره جُعل وثنًا، بل إنَّه
حُميَ بثلاثة جدران:
فَأَجَابَ رَبُّ الْعَالَمِينَ دُعَاءَهُ ⁕⁕⁕ وَأَحَــــــاطَهُ بِثَلَاثَةِ الْجُدْرَانِ
صحيحٌ أنَّه يوجد أُناسٌ يَغلون فيه، ولكن لم يصلوا إلى حدِّ جعل قبره وثنًا.
- · ﴿أَفَرَأَيْتُمُ ﴾: ما نسبة هذه الأصنام للآيات الكبيرة الَّتي رآها ﷺ ليلة المعراج.
- · «السَّوِيقَ»: شَعيرٌ يُحمَّص، ثمَّ يُطحن، ثمَّ يُخلط بتمر،ٍ ويُقدِّمونه للحُجَّاج.
- · «السُّرُجَ»: جمع سراجٍ، توقد عليها السُّرج ليلًا ونهارًا تعظيمًا وغُلوًّا فيها.
- زيارة النِّساء للقبور كبيرةٌ من كبائر الذُّنوب، وكذلك اتِّخاذ المساجد والسُّرج عليها؛ للَعن فاعله.
- أقسام زيارة القبور: [1] شرعيَّةٌ: لا يَشدُّ لها الرَّحل، وينوي بها تذكُّر الدَّار الآخرة والدُّعاء له وللأموات، [2] فإن نوى دعاء الأموات فهي زيارةٌ شركيَّةٌ، [3] وإن نوى دعاء الله عند الأموات فزيارةٌ بدعيَّةٌ.
المسائل:
الْأُولَى: تَفْسِيرُ الْأَوْثَانِ (ما عُبد من دون الله، سواءٌ كان صنمًا أو قبرًا أو غيره).
الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ الْعِبَادَةِ (التَّذلُّل والخضوع للمعبود خوفًا ورجاءً ومحبَّةً وتعظيمًا).
الثَّالِثَةُ: أَنَّهُ ﷺ لَمْ يَسْتَعِذْ إِلَّا مِمَّا يُخَافُ وُقُوعُهُ.
الرَّابِعَةُ: قَرْنُهُ بِهَذَا اتِّخَاذَ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ مَسَاجِدَ.
الْخَامِسَةُ: ذِكْرُ شِدَّةِ الْغَضَبِ مِنْ اللَّهِ.
السَّادِسَةُ: وَهِيَ مِنْ أَهَمِّهَا مَعْرِفَةُ صِفَةِ عِبَادَةِ اللَّاتِ اَلَّتِي هِيَ مِنْ أَكْبَرِ الْأَوْثَانِ.
السَّابِعَةُ: مَعْرِفَةُ أَنَّهُ قَبْرُ رَجُلٍ صَالِحٍ.
الثَّامِنَةُ: أَنَّهُ اسْمُ صَاحِبِ الْقَبْرِ، وَذِكْرُ مَعْنَى التَّسْمِيَةِ.
التَّاسِعَةُ: لَعْنُهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ.
الْعَاشِرَةُ: لَعْنُهُ مَنْ أَسْرَجَهَا.
- مسألةٌ مهمَّةٌ: الغُلوُّ في قبور الصَّالحين يُصيِّرها أوثانًا كما في قبر اللَّات.
- مسألةٌ: المرأة إذا ذهبت للرَّوضة في المسجد النَّبويِّ لتصلِّي فيها، فالقبر قريبٌ منها فتقف وتُسلِّم، ولا مانع فيه، والأحسن البُعد عن الزِّحام ومُخالطة الرِّجال، ولئلَّا يظنَّ من يشاهدها أنَّ المرأة يجوز لها قصد الزِّيارة.