[38] بَابٌ مَنْ أَطَاعَ الْعُلَمَاءَ وَالأُمَرَاءَ فِي تَحْــرِيمِ مَا أَحَلَّ اللهُ، أَوْ تَحْلِيلِ مَا حَرَّمَهُ؛ فَقَدِ اتَّخَذَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ
حالات طاعة العلماء أو الأمراء في معصية الله جل و علا:
| كفرٌ أكبر أن يتابعهم راضيًا بقولهم، مُقدِّمًا له، ساخطًا لحكم الله، فكلُّ من كره ما أنزل الله كفر، وكذلك لو اعتقد أنَّ حكمهم مساوٍ لحكم الله أو أفضل منه. | كفرٌ أصغر وخطرٌ عظيمٌ، يوشك أن يقع في الكفر الأكبر أن يتابعهم راضيًا بحكم الله وعالمًا بأنَّه أمثل وأصلح للعباد والبلاد، ولكن لهوًى في نفسه اختاره؛ كأن يريد وظيفةً، وإذا اقتطع به حقَّ مسلمٍ يكون ظالمًا. | فيه تفصيلٌ بأن يتابعهم جاهلًا ويظنَّ أنَّه حكم الله 1- أن يمكنه معرفة الحقِّ بنفسه؛ فهو مُفرِّطٌ أو مُقصِّرٌ فهو آثمٌ. 2- أن لا يكون عالمًا ولا يمكنه التَّعلُّم فيتابعهم تقليدًا ويظنُّ أنَّ هذا هو الحقُّ، فلا شيء عليه وهو معذورٌ. |
الدَّليلان الأوَّل والثَّاني:
[1] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «يُوشِكُ أَنْ تَنْزِلَ عَلَيْكُمْ حِجَارَةٌ مِنَ السَّمَاءِ، أَقُولُ: قَالَ رَسُولُ ﷺ، وَتَقُولُونَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ!».
[2] وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: «عَجِبْتُ لِقَوْمٍ عَرَفُوا الإِسْنَادَ وَصِحَّتَهُ؛ يَذْهَبُونَ إِلَى رَأْيِ سُفْيَانَ، وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ:﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أَتَدْرِي مَا الْفِتْنَةُ؟ الْفِتْنَةُ الشِّـرْكُ؛ لَعَلَّهُ إِذَا رَدَّ بَعْضَ قَوْلِهِ أَنْ يَقَعَ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ مِنَ الزَّيْغِ فَيَهْلِكَ».
- · «قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ!»: لم يُعرَف عن أبي بكرٍ وعمر أنهَّما خالفا نصًّا برأيهما.
- · ﴿ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾: أي يُعرضون عن أمره زهدًا فيه وعدم مبالاةٍ به.
اختُلف في التَّقليد على ثلاثة أقوالٍ:
| وجوب التَّقليد لأنَّ الاجتهاد أُغلق بموت الأئمَّة الأربعة. | التَّحريم مُطلقًا لأنَّ فيه قبول من قوله ليس بحجَّةٍ. | الجواز (الرَّاجح) عند الضَّرورة وعدم القدرة على معرفة الأحكام؛ فيقلِّد من يثق بدينه وعلمه، ويأخذ بقوله في جميع المسائل، ولا يتتبَّعُ الرُّخص. |
الدَّليل الثَّالث:
عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ﴾ الآيَة، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ، قَالَ: «أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللهُ فَتُحَرِّمُونَهُ، وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَتُحِلُّونَهُ؟»، فَقُلْتُ: بَلَى، قَالَ: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
- · ﴿أَحْبَارَهُمْ﴾: العالم الواسع العلم، ﴿ وَرُهْبَانَهُمْ﴾: العابد الزَّاهد.
- · «إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ»: لا نسجد لهم ولا نركع ولا نذبح ولا ننذر لهم، لكن بيَّن له ﷺ أنَّ من معنى العبادة الطَّاعة، عبوديَّةٌ مُقيَّدةٌ.
المسائل:
الْأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ النُّورِ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ﴾.
الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ بَرَاءَةٌ ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾.
الثَّالِثَةُ: التَّنْبِيهُ عَلَى مَعْنَى الْعِبَادَةِ الَّتِي أَنْكَرَهَا عَدِيٌّ (التَّعبُّد لهم بالطَّاعة).
الرَّابِعَةُ: تَمْثِيلُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَتَمْثِيلُ أَحْمَدَ بِسُفْيَانَ.
الْـخَامِسَةُ: تَغَيُّرُ الْأَحْوَالِ إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ، حَتَّى صَارَ عِنْدَ الْأَكْثَرِ عِبَادَةُ الرُّهْبَانِ هِيَ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ، وَتَسْمِيَتُهَا وِلَايَةً، وَعِبَادَةُ الْأَحْبَارِ هِيَ الْعِلْـمَ وَالْفِقْهَ، ثُمَّ تَغَيَّرَتْ الْـحَالُ إِلَى أَنْ عُبِدَ مَنْ لَيْسَ مِنَ الصَّالِحِينَ، وَعُبِدَ بِالْـمَعْنَى الثَّانِي مَنْ هُوَ مِنَ الْـجَاهِلِينَ (فعلينا الحذر وأن نعلم أنَّ شرع الله يجب أن يُحمَى ويُصان، ولا يُطاع أحدٌ في تحليل ما حرَّم الله أو تحريم ما أحلَّ الله أبدًا).