[39] بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُ
- هذا الباب له صلةٌ قويَّةٌ بما قبله؛ لأنَّ ما قبله فيه حكم من أطاع العلماء والأمراء في تحليل ما حرَّم الله أو تحريم ما أحلَّ الله، وهذا الباب فيه الإنكار على من أراد التَّحاكم إلى غير الله.
- ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾: استفهامٌ يُراد به التَّقرير والتَّعجُّبُ من حالهم، والخطاب له ﷺ.
- · ﴿ يَزْعُمُونَ﴾: لم يقل: (الَّذين آمنوا)؛ لأنَّهم لم يؤمنوا، بل يزعمون وهم كاذبون.
- · ﴿ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ﴾: جنسٌ يشمل شياطين الإنس والجنِّ.
- · ﴿أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾: يوقعهم في الضَّلال البعيد عن الحقِّ بالتَّدرُّج.
- · ﴿ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ ﴾: إظهارٌ في موضع الإضمار لثلاث فوائد:
- أنَّ هؤلاء الَّذين يزعمون الإيمان كانوا منافقين.
- أنَّ هذا لا يصدر إلَّا من مُنافقٍ؛ لأنَّ المؤمن حقًّا لابدَّ أن ينقاد بدون صُدودٍ.
- التَّنبيه؛ لأنَّ الكلام إذا كان على نسقٍ واحدٍ قد يغفل، فإذا تغيَّر السِّياق انتبه.
- قال شيخ الإسلام رحمه الله: إنَّ هذه الآيات تنطبق تمامًا على أهل التَّحريف والتَّأويل في صفات الله جل و علا؛ لأنَّ هؤلاء يقولون: إنَّهم يؤمنون بالله ورسوله ﷺ ، وإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرَّسول؛ يُعرضون، ويصدُّون، ويقولون: نذهب إلى فلانٍ وفلانٍ، وإذا اعتُرض عليهم قالوا: نريد الإحسان والتَّوفيق، وأن نجمع بين دلالة العقل ودلالة السَّمع.
الدَّليل الثَّاني إلى الرَّابع:
[2] وَقَوْلِهُ: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾.
[3] وَقَوْلِهُ: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾.
[4] وَقَوْلِهُ: ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ ﴾ الآيَةَ.
- · ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ ﴾: الإفساد في الأرض نوعان:
- إفسادٌ حسِّيٌّ مادِّيٌّ: وذلك مثل هدم البيوت وإفساد الطُّرق.
- إفسادٌ معنويٌّ: وذلك بالمعاصي؛ فهي من أكبر الفساد في الأرض.
- ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾: هذه دعوى من أبطل الدَّعاوى، فالله قابل حصرهم بأعظم منه؛ فهؤلاء الَّذين يفسدون في الأرض ويدَّعون الإصلاح هم المفسدون حقيقةً لا غيرهم.
- ﴿ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾: من قبل المصلحين، ومن ذلك الوقوف ضدَّ دعوة أهل العلم، ودعوة السَّلف، ومن يحكِّم الشَّريعة.
- · ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ ﴾: الاستفهام للتَّوبيخ، أي: أفلا يبغون إلَّا حكم الجاهليَّة؟ والجاهليَّة تحتمل مَعنيين: الَّتي سبقت الرِّسالة، والَّتي تُبنى على الجهل.
- ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾: لا أحد أحسن حكمًا، وهذا مُشرَبٌ معنى التَّحدِّي.
الدَّليل الخامس:
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ». قَالَ النَّوَوِيُّ: (حَدِيثٌ صَحِيحٌ، رَوَيْنَاهُ فِي «كِتَابِ الْـحُجَّةِ» بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ).
الدَّليل السَّادس:
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: كَانَ بَيْنَ رَجُلٍ مِنَ الْـمُنَافِقِينَ وَرَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ خُصُومَةٌ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: نَتَحَاكَمُ إِلَى مُحَمَّدٍ؛ عَرَفَ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ الرِّشْوَةَ، وَقَالَ الْـمُنَافِقُ: نَتَحَاكَمُ إِلَى الْيَهُودِ؛ لِعِلْمِهِ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ الرِّشْوَةَ، فَاتَّفَقَا أَنْ يَأْتِيَا كَاهِنًا فِي جُهَيْنَةَ؛ فَيَتَحَاكَمَا إِلَيْهِ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ الآيَةَ.
وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: نَتَرَافَعُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَقَالَ الآخَرُ: إِلَى كَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ، ثُمَّ تَرَافَعَا إِلَى عُمَرَ، فَذَكَرَ لَهُ أَحَدُهُمَا الْقِصَّةَ، فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يَرْضَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ: أَكَذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ فَضَـرَبَهُ بِالسَّيْفِ فَقَتَلَهُ.
- · «لَا يُؤْمِنُ »: أي إيمانًا كاملًا، إلا إذا كان لا يهوى بالكلية؛ فينتفي عنه الإيمان.
- الحديث ضعفه جماعة من أهل العلم، ولكن معناه صحيح.
- · «ِمنَ الْـمُنَافِقِينَ»: هو ممَّن يظهر الإسلام ويبطن الكفر.
- · «الْيَهُودِ»: هم المنتسبون إلى دين موسى ڠ، وسُمُّوا بذلك:
- لأنَّهم قالوا: (إنَّا هدنا إليك) أي رجعنا.
- أو نسبةً إلى أبيهم يهوذا.
- · «إِلَى مُحَمَّدٍ»: ﷺ لم يذكره بوصف الرِّسالة؛ لأنَّهم لا يؤمنون برسالته ﷺ.
- «الرِّشْوَةَ»: هي المال المدفوع للتَّوصُّل إلى شيءٍ.
المسائل:
الْأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ النِّسَاءِ، وَمَا فِيهَا مِنَ الْإِعَانَةِ عَلَى فَهْمِ الطَّاغُوتِ (﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾).
الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ الْبَقَرَةِ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ ﴾ (ففيها دليلٌ على أنَّ النِّفاق فسادٌ في الأرض لأنَّها في سياق المنافقين، والفساد يشمل جميع المعاصي).
الثَّالِثَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ الْأَعْرَافِ: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾.
الرَّابِعَةُ: تَفْسِيرُ ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ ﴾ (والجاهليَّة كلُّ ما خالف الشَّرع، وأُضيف للجاهليَّة للتَّنفير منه وبيان قبحه، وأنَّه مبنيٌّ على الجهل والضَّلال).
الْـخَامِسَةُ: مَا قَالَ الشَّعْبِيُّ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ الْأُولَى.
السَّادِسَةُ: تَفْسِيرُ الْإِيمَانِ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ (فالإيمان الصَّادق يستلزم الإذعان التَّامَّ والقبول والتَّسليم لحكم الله ورسوله ﷺ، والإيمان الكاذب بخلاف ذلك).
السَّابِعَةُ: قِصَّةُ عُمَرَ مَعَ الْـمُنَافِقِ.
الثَّامِنَةُ: كَوْنُ الْإِيمَانِ لَا يَحْصُلُ لِأَحَدٍ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ.