[3] بَابٌ مَنْ حَقَّقَ التَّوْحِيدَ دَخَلَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ
جاء بهذا الباب حتَّى نحقِّق التَّوحيد الَّذي وجب علينا وتشوَّقنا إليه، وتحقيقه تخليصه من الشِّرك والبدع والمعاصي، ويكون بالعلم والاعتقاد والانقياد.
وتحقيق التَّوحيد عند المُؤلِّف رحمه الله يكون بقراءة الباب تفصيلًا، وإجمالًا يكون بـ:
[1] الاقتداء بنبيِّ الله إبراهيم ڠ. [2] الاقتداء بسادات الأولياء (الصَّحابة).
[3] البقاء على التَّوحيد ولو كنت وحدك.[4] التَّوكُّل وترك الرُّقية والاكتواء والتَّطيُّر.
الدَّليل الأوَّل:
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120)﴾.
في هذه الآية ثناءٌ على سيِّدنا إبراهيم ڠ، فوجب علينا محبَّته والاقتداء به، فلنا أيضًا من الثَّناء بقدر ما اقتدينا به؛ وهذا لأنَّه حقَّق التَّوحيد بأمورٍ ستَّةٍ ذُكرت في الآية:
- ﴿ أُمَّةً﴾: إمامًا يُقتدى به، في أعماله وأفعاله وجهاده، مع الاعتماد على الله.
- 2. ﴿ قَانِتًا﴾: دائمَ الطَّاعة، مُستمرًّا فيها على كلِّ حالٍ، فهو مُطيعٌ ثابتٌ مُديمٌ.
- 3. ﴿ لِلَّهِ﴾: دلَّ على الإخلاص.
- 4. ﴿ حَنِيفًا﴾: مُقبلًا إلى الله مُدبرًا عن الشِّرك، مُجانبًا لكلِّ ما يخالف الطَّاعة.
- 5. ﴿ وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾: البراءة من الشِّرك وأهله (بالقلب واللِّسان والجوارح).
- 6. ﴿ شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ ۚ﴾: لأنَّ النِّعمة ابتلاءٌ وتحتاج إلى شكرٍ.
فوائد:
- أبو إبراهيم ڠ آزر مات على الكفر، ﴿ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾.
- أبوا نوحٍ عليه السلام كانا مؤمنين، ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ ﴾.
- قال الإمام أحمد: ثلاثةٌ ليس لها أصلٌ: المغازي، والملاحم، والتَّفسير؛ فالغالب أنَّها تُذكر بدون إسنادٍ، فلا أحد يعلم عن الأمم السَّابقة شيئًا إلَّا عن طريق الوحي من كلام الله تعالى وسنَّة نبيِّه ﷺ.
الدَّليل الثَّاني:
وَقَالَ: ﴿ وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمۡ لَا يُشۡرِكُونَ﴾.
· ﴿ لَا يُشۡرِكُونَ﴾: الشِّرك بالمعنى الأعمِّ؛ إذ تحقيق التَّوحيد لا يكون إلَّا باجتناب الشِّرك بالمعنى الأعمِّ، ولكن ليس معنى هذا ألَّا تقع منهم المعاصي؛ لأنَّ كلَّ بني آدم خطَّاءٌ، وليس بمعصومٍ، ولكن إذا عَصوا؛ فإنَّهم يتوبون ولا يستمرُّون.
الدَّليل الثَّالث:
وَعَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمٰن قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ رَأَى الْكَوْكَبَ الَّذِي انْقَضَّ الْبَارِحَةَ؟ فَقُلْتُ: أَنَا، ثُمَّ قُلْتُ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَكُنْ فِي صَلَاةٍ؛ وَلَكِنِّي لُدِغْتُ، قَالَ: فَمَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: ارْتَقَيْتُ، قَالَ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟ قُلْتُ: حَدِيثٌ حَدَّثَنَاهُ الشَّعْبِيُّ، قَالَ: وَمَا حَدَّثَكُمْ؟ قُلْتُ: حَدَّثَنَا عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ الْـحُصَيْبِ؛ أَنَّهُ قَالَ: «لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ»، قَالَ: قَدْ أَحْسَنَ مَنِ انْتَهَى إِلَى مَا سَمِعَ؛ وَلَكِنْ حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ ﭭ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، إِذْ رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي، فَقِيلَ لِي: هٰذا مُوسَى وَقَوْمُهُ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِي: هٰذه أُمَّتُكَ، وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْـجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ»، ثُمَّ نَهَضَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَخَاضَ النَّاسُ فِي أُولَئِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمُ الَّذِينَ صَحِبُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلَّهُمُ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الإِسْلَامِ فَلَمْ يُشْـرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا، وَذَكَرُوا أَشْيَاءَ، فَخَرَجَ عَلَيْهِم رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: «هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ»، فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ؛ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: «أَنْتَ مِنْهُمْ»، ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: «سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ».
· «انْقَضَّ»: سقط ، «ارْتَقَيْتُ»: طلبت الرُّقية، «عَيْنٍ»: نظرة حاسدٍ.
- · «فَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟»: فيه جواز طلب الحجَّة أو الدَّليل؛ لكن بأدبٍ.
- · «لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ»: أي: لا علاج ولا دواء أنفع في الحسد ولدغة ذوات السُّموم من الرُّقية الشَّرعيَّة بشروطها، مع ثبوت الرُّقية في غيرهما.
- · «حُمَةٍ»: هي لدغة كلِّ ذات سمٍّ، أمَّا الحمَّة فهي ارتفاع حرارة الجسم.
- · «الرَّهْطُ»: من الثَّلاثة إلى التِّسعة.
- · «لَا يَسْتَرْقُونَ»: لا يطلبون من أحدٍ أن يقرأ عليهم، لما يلي:
[1] قوَّة اعتمادهم على الله. [2] عزَّة نفوسهم عن التَّذلُّل لغير الله.
[3] ما في ذلك من التَّعلُّق بغير الله.
- رواية «لَا يَرْقُونَ» خطأٌ كما قال شيخ الإسلام؛ لأنَّه ﷺ كان يرقي، ورقاه جبريل وعائشة، وكذلك الصَّحابة كانوا يرقون.
- أقسام النَّاس في طلب الرُّقية:
[1] أن يطلب من يرقيه، وهذا قد فاته الكمال (يخرج من السَّبعين ألفًا).
[2] أن لا يمنع من يرقيه، وهذا لم يفته الكمال؛ لأنَّه لم يسترق ولم يطلب.
[3] أن يمنع من يرقيه، وهذا خلاف السُّنَّة؛ لأنَّه ﷺ لم يمنع عائشة أن ترقيه.
- · «وَلَا يَكْتَوُونَ»: لا يطلبون من أحدٍ غيرهم أن يكويهم.
- · «وَلَا يَتَطَيَّرُونَ»: التَّطيُّر هو التَّشاؤم بمرئيٍّ أو مسموعٍ أو معلومٍ مكانًا وزمانًا، وحكمه أنَّه: شركٌ أصغر.
- ما عدا هذه الثَّلاثة لا يمنع من دخول الجنَّة بلا حسابٍ ولا عذابٍ؛ للنُّصوص الواردة بالأمر بالتَّداوي والثَّناء على بعض الأدوية كالعسل والحبَّة السَّوداء.
أنواع الأمَّة:
أمَّة الإجابة: الَّذين استجابوا لله تعالى وللرَّسول ﷺ.
أمَّة الدَّعوة: تشمل من استجاب لله والرَّسول ﷺ ومن لم يستجب (الكفَّار).
المسائل:
الْأُولَى: مَعْرِفَةُ مَرَاتِبِ النَّاسِ فِي التَّوْحِيدِ.
الثَّانِيَةُ: مَا مَعْنَى تَحْقِيقِهِ؟ (تخليصه من الشِّرك والبدع والمعاصي).
الثَّالِثَةُ: ثَنَاؤُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ بِكَوْنِهِ لَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
الرَّابِعَةُ: ثَنَاؤُهُ عَلَى سَادَاتِ الْأَوْلِيَاءِ بِسَلَامَتِهِمْ مِنْ الشِّرْكِ.
الْخَامِسَةُ: كَوْنُ تَرْكِ الرُّقْيَةِ وَالْكَيِّ مِنْ تَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ (الاسترقاء والاكتواء).
السَّادِسَةُ: كَوْنُ الْجَامِعِ لِتِلْكَ الْخِصَالِ هُوَ التَّوَكُّلَ (حيث تركها لقوَّة التَّوكُّل).
السَّابِعَةُ: عُمْقُ عِلْمِ الصَّحَابَةِ بِمَعْرِفَتِهِمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَنَالُوا ذَلِكَ إِلَّا بِعَمَلٍ (خالصٍ).
الثَّامِنَةُ: حِرْصُهُمْ عَلَى الْخَيْرِ (لأنَّهم يريدون أن يصلوا إلى نتيجةٍ ليقوموا بها).
التَّاسِعَةُ: فَضِيلَةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالْكَمِّيَّةِ (العدد) وَالْكَيْفِيَّةِ (العمل).
الْعَاشِرَةُ: فَضِيلَةُ أَصْحَابِ (أتباع) مُوسَى.
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: عَرْضُ الْأُمَمُ عَلَيْهِ ﷺ ([1] تسليةٌ له، [2] بيان فضيلته وشرفه).
الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ كُلَّ أُمَّةٍ تُحْشَرُ وَحْدَهَا مَعَ نَبِيِّهَا.
الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: قِلَّةُ مَنِ اسْتَجَابَ لِلْأَنْبِيَاءِ.
الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ مَنْ لَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ يَأْتِي وَحْدَهُ.
الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: ثَمَرَةُ هَذَا الْعِلْمِ، وَهُوَ [1] عَدَمُ الِاغْتِرَارِ بِالْكَثْرَةِ (فنهلك معهم)، [2] وَعَدَمُ الزُّهْدِ فِي الْقِلَّةِ (فقد تكون القلَّة خيرًا من الكثرة).
السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: الرُّخْصَةُ فِي الرُّقْيَةِ (الشَّرعيَّة) مِنَ الْعَيْنِ وَالْحُمَةِ (وغيرهما).
السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: عُمْقُ عِلْمِ السَّلَفِ؛ لِقَوْلِهِ: (قَدْ أَحْسَنَ مَنِ انْتَهَى إِلَى مَا سَمِعَ، وَلَكِنْ كَذَا وَكَذَا)؛ فَعُلِمَ أَنَّ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ لَا يُخَالِفُ الثَّانِي.
الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: بُعْدُ السَّلَفِ عَنْ مَدْحِ الْإِنْسَانِ بِمَا لَيْسَ فِيهِ.
التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: قَوْلُهُ: (أَنْتَ مِنْهُمْ) عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ.
الْعِشْرُونَ: فَضِيلَةُ عُكَّاشَةَ (بكونه ممَّن يدخلون الجنَّة بغير حسابٍ ولا عذابٍ).
الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ: اِسْتِعْمَالُ الْمَعَارِيضِ ([1] إمَّا لكونه منافقًا، [2] وإمَّا خوفًا من انفتاح الباب؛ فيسأل هذه المرتبة من ليس من أهلها).
الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ: حُسْنُ خُلُقِهِ ﷺ.