[50] بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿ فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا ۚ ﴾ الآيَةَ
نوع الشِّرك المقصود في الآية:
| شركٌ أكبر: يعتقد أنَّ الَّذي أتى بهذا الولد هو الوليُّ الفلانيُّ ونحوه؛ لأنَّهما أضافا الخلق إلى غير الله. | شركٌ أصغر: يضيف سلامة المولود ووقايته إلى الأطبَّاء ونحوهم؛ لأنَّه أضاف النِّعمة إلى السَّبب ونسي المسبِّب. | شركٌ أصغر: في العبودية بأن يقدِّم محبَّته على محبَّة الله ويلهيه عن طاعته، فكيف نجعل هذا الولد ندًّا لله في المحبَّة؟! |
الدَّليل الثَّاني:
قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: «اتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيمِ كُلِّ اسْمٍ مُعَبَّدٍ لِغَيْرِ اللهِ؛ كَعَبْدِ عَمْرٍو، وَعَبْدِ الْكَعْبِةِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ حَاشَا عَبْدَ الْـمُطَّلِبِ».
- لا يجوز التَّعبيد لغير الله، ومن استدلَّ بقوله ﷺ: «أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ» نرد عليه:
- هذا من الأحاديث المُتشابهة، وعندنا نصوصٌ بيِّنةٌ مُحكمةٌ تردُّ هذا.
- هذا الحديث من باب الإخبار، وليس من باب الإنشاء والإقرار.
- النَّبيُّ ﷺ لم يُسمِّ به أحدًا، ولم يأذن لأحدٍ من صحابته بذلك أو يقرَّ به.
- هذا الاسم عُرف به النَّبيُّ ﷺ، ولو قال: (ابن عبد الله) ما عرفه النَّاس.
- الرَّسول ﷺ يتكلَّم عن شيءٍ وقع وانتهى ومضى، وقد مات عبد المطَّلب.
- عبد المُطَّلب ليس اسمًا، بل هو لقبٌ، وإنَّما اسمه شيبة الحمد، وأبوه هاشمٌ، أرسله صغيرًا إلى المدينة عند أخواله بني النَّجَّار ليتعلَّم ويترعرع، فلمَّا قدم عمُّه المُطَّلب المدينة أخذ معه شيبة الحمد، فلمَّا وصل به مكَّة تغيَّر لونه من طول السَّفر، فقال النَّاس: من هذا العبد؟ فقالوا: عبد المُطَّلب (وعبوديَّة الرِّقِّ لا إشكال فيها)، فأُلصق به اللَّقب، وبهذا يزول الإشكال.
الدَّليل الثَّالث:
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الآيَةِ قَالَ: «لَـمَّا تَغَشَّاهَا آدَمُ حَمَلَتْ، فَأَتَاهُمَا إِبْلِيسُ، فَقَالَ: إِنِّي صَاحِبُكُمَا الَّذِي أَخْرَجْتُكُمَا مِنَ الْـجَنَّةِ؛ لَتُطِيعُنِّي أَوْ لَأَجْعَلَنَّ لَهُ قَرْنَيْ أَيِّلٍ، فَيَخْرُجَ مِنْ بَطْنِكِ فَيَشُقَّهُ، وَلَأَفْعَلَنَّ وَلَأَفْعَلَنَّ؛ يُخَوِّفُهُمَا، سَمِّيَاهُ عَبْدَ الْـحَارِثِ، فَأَبَيَا أَنْ يُطِيعَاهُ، فَخَرَجَ مَيِّتًا، ثُمَّ حَمَلَتْ فَأَتَاهُمَا، فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ؛ فَأَبَيَا أَنْ يُطِيعَاهُ، فَخَرَجَ مَيِّتًا، ثُمَّ حَمَلَتْ فَأَتَاهُمَا فَذَكَرَ لَهُمَا، فَأَدْرَكَهُمَا حُبُّ الْوَلَدِ، فَسَمَّيَاهُ عَبْدَ الْـحَارِثِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا ۚ ﴾». رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَلَهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: «شُرَكَاءَ فِي طَاعَتِهِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي عِبَادَتِهِ».
وَلَهُ بَسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾قَالَ: «أَشْفَقَا أَنْ لَا يَكُونَ إِنْسَانًا». وَذَكَرَ مَعْنَاهُ عَنِ الْـحَسَنِ، وَسَعِيدٍ، وَغَيْرِهِمَا.
- · «قَرْنَيْ أَيِّلٍ»: هو ذكر الأوعال.
- · «عَبْدَ الْـحَارِثِ»: اختار هذا الاسم؛ لأنَّه اسمه، فأراد أن يُعبِّداه لنفسه.
- هذه القصَّة باطلةٌ من وجوهٍ:
- ليس في ذلك خبرٌ صحيحٌ عنه ﷺ، قال ابن حزمٍ: (إنَّها مكذوبةٌ موضوعةٌ).
- يمتنع غاية الامتناع أن يذكر الله الخطيئة ولا يذكر توبتهما.
- الأنبياء معصومون من الشِّرك باتِّفاق العلماء.
- أنَّ النَّاس يأتون آدم يوم القيامة فيعتذر بأكله من الشَّجرة وهو معصيةٌ، ولو وقع الشرِّك؛ لكان اعتذاره به أقوى وأولى وأحرى.
- قال لهما الشَّيطان: «إِنِّي صَاحِبُكُمَا»، وهذا لا يقوله من يريد الإغواء.
- لا يمكن أن يصدِّقا أنَّ الشَّيطان يجعل له قرني أيِّلٍ، فهذا شركٌ في الرُّبوبيَّة.
- في الآية (يُشركون) بضمير الجمع، ولو كان آدم وحوَّاء لقال يُشركان.
- وعلى هذا يكون تفسير الآية عائدًا إلى بني آدم الَّذين أشركوا شركًا حقيقيًّا، فإنَّ منهم مُشركًا ومنهم مُوحِّدًا.
المسائل:
الْأُولَى: تَحْرِيمُ كُلِّ اسْمٍ مُعَبَّدٍ لِغَيْرِ اللهِ (حتَّى عبد المُطَّلب).
الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ الْآيَةِ (﴿ فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا ۚ﴾).
الثَّالِثَةُ: أَنَّ هَذَا الشِّرْكَ فِي مُجَرَّدِ تَسْمِيَةٍ لَمْ تُقْصَدْ حَقِيقَتُهَا (والصَّواب أنَّ هذا الشِّرك حقيقةٌ، وأنَّه شركٌ من إشراك بني آدم لا من آدم وحوَّاء).
الرَّابِعَةُ: أَنَّ هِبَةَ اللهِ لِلرَّجُلِ الْبِنْتَ السَّوِيَّةَ مِنْ النِّعَمِ (لأنَّ بعض النَّاس يرون أنَّ هبة البنت من النِّقم، وإلَّا فهبة الذَّكر السَّويِّ من باب النِّعم أيضًا).
الْـخَامِسَةُ: ذِكْرُ السَّلَفِ الْفَرْقَ بَيْنَ الشِّرْكِ فِي الطَّاعَةِ وَالشِّرْكِ فِي الْعِبَادَةِ (فإنَّ آدم وحوَّاء أطاعا الشَّيطان ولم يعبداه عبادةً، وهذا مبنيٌّ على صحَّة القصَّة).