[33] بَابُ قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين﴾
- بعد المحبَّة والخوف بيَّن $ أنَّ حصول المطلوب وزوال المكروه لا يكون إلَّا بالتَّوكُّل، ولا يمكن تحقيق العبادة إلَّابالتَّوكُّل، وهو أعلى المقامات، ويجب على الإنسان أن يكون مصطحبًا له في جميع شؤونه.
- ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا ﴾: تقديم المعمول يفيد الحصر، وفيها انتفاء كمال الإيمان بانتفاء التَّوكُّل؛ إلَّا إن حصل اعتمادٌ كُلِّيٌّ على غير الله؛ فيصير شركًا أكبر.
التَّوكُّل: هو صدق الاعتماد على الله مع الثِّقة به والأخذ بالأسباب المشروعة، فلابدَّ من الاعتماد الصَّادق الحقيقيِّ وفعل الأسباب المأذون فيها، وأقسامه:
| تفويض جميع الأمور إلى الله، واعتقاد أنَّ بيده جلب المنافع ودفع المضارِّ، فهذا صرفه لغير الله شركٌ أكبر. | الاعتماد على حيٍّ مع نوع افتقارٍ، فهذا شركٌ أصغر؛ كالَّذي يعتمد في رزقه على شخصٍ مع الافتقار إليه. | الوكالة: ولا يصحُّ أن يُقال: توكَّلت على فلانٍ، أو: توكَّلت على الله ثمَّ فلانٍ، بل يقول: وكَّلت فلانًا أو فوَّضته، وقد وكَّل النَّبيُّ ﷺ في شؤونه الخاصَّة والعامَّة. |
الدَّليلان الثَّاني والثَّالث:
[2] وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَالَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾. [3] وَقَوْلِهِ: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾.
- الإنسان يكون مؤمنًا وإن لم يتَّصف بهذه الصِّفات، لكن معه مُطلق الإيمان.
- · ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾: ما حسبك إلَّا الله، وحسب من اتَّبعك من المؤمنين الله، فتوكَّلوا عليه جميعًا، أنت ومن اتبعك.
ذكر الله في هذه الآية وما بعدها خمسة أوصافٍ للإيمان الكامل:
| ﴿إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ | أي: خافت لما فيها من تعظيم الله، فعلامة الإيمان أنَّه إذا ذُكِّر بالله خاف. |
| ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ | أي تصديقًا وامتثالًا، وفيها أنَّ الإنسان قد ينتفع بقراءة غيره أكثر ممَّا ينتفع بقراءة نفسه. |
| ﴿ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ( | أي: يعتمدون على الله لا على غيره، وهم مع ذلك يعملون الأسباب، وهذا هو الشَّاهد. |
| ﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ | أي: يأتون بها مستقيمةً كاملةً، والصَّلاة اسم جنسٍ يشمل الفرائض والنَّوافل. |
| ﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ | يشمل الثَّناء من أنفق البعض ومن أنفق الكلَّ، ومن أنفق الكلَّ يدخل في الثَّناء إذا توكَّل على الله. |
الدَّليل الرَّابع:
وَقَوْلِهِ: ﴿ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ ﴾.
- أي يكفيه مهمَّاته ويُيسِّر له أمره، ولو حصل له بعض الأذيَّة فإنَّ الله يكفيه، والرَّسول ﷺ سيِّد المُتوكِّلين، ومع ذلك يصيبه الأذى ولا تحصل له المضرَّة.
- والآية تفيد بمفهومها أنَّ من توكَّل على غير الله خُذِلَ، وتخلَّى الله عنه.
الدَّليل الخامس:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: «حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ؛ قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ ﷺ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ ﷺ حِينَ قَالُوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
هذه القصَّة في نصِّ القرآن، لمَّا انصرف أبو سفيان من أُحُدٍ أراد أن يرجع إلى النَّبيِّ ﷺ وأصحابه ليقضي عليهم بزعمه، فلقي ركبًا، فقال لهم: إلى أين تذهبون؟ قالوا: نذهب إلى المدينة، فقال: بَلِّغوا محمَّدًا وأصحابه أنَّا راجعون إليهم فقاضون عليهم، فجاء الرَّكب إلى المدينة فبلَّغوهم، فقال ﷺ ومن معه: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾، وخرجوا في نحو سبعين راكبًا، حتَّى بلغوا حمراء الأسد، ثمَّ إنَّ أبا سفيان تراجع عن رأيه وانصرف إلى مكَّة، وهذا من كفاية الله لرسوله ﷺ وللمؤمنين؛ حيث اعتمدوا عليه تعالى.
تنبيهٌ:
كون ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما ممَّن يروي عن بني إسرائيل هو قولٌ مشهورٌ عند علماء المُصطلح، لكن فيه نظرٌ؛ فإنَّ ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما ممَّن ينكر الأخذ عن بني إسرائيل.
والأخبار الواردة عن بني إسرائيل هل نصدِّقها أو لا؟
- نصدِّقها إذا ورد في شرعنا أنَّها صدقٌ.
- نكذبها إذا ورد في شرعنا أنَّها كذبٌ.
- نتوقَّف فيها إذا لم يأتِ في شرعنا تصديقها ولا تكذيبها.
المسائل:
الْأُولَى: أَنَّ التَّوَكُّلَ مِنَ الْفَرَائِضِ (لأنَّ الله عَلَّق الإيمان عليه).
الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ مِنْ شُرُوطِ الْإِيمَانِ.
الثَّالِثَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ الْأَنْفَالِ ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾
الرَّابِعَةُ: تَفْسِيرُ الْآيَةِ فِي آخِرِهَا ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّ ﴾
الْـخَامِسَةُ: تَفْسِيرُ آيَةِ الطَّلَاقِ ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾
السَّادِسَةُ: عِظَمُ شَأْنِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ، وأَنَّهَا قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامُ وَمُحَمَّدٍ ﷺ فِي الشَّدَائِدِ.
(وفي الباب زيادة الإيمان، وأنَّه عند الشَّدائد ينبغي للإنسان أن يعتمد على الله ۵ مع فعل الأسباب، وأنَّ اتِّباع النَّبيِّ ﷺ مع الإيمان سببٌ لكفاية الله عز و جل للعبد).