[10] بَابُ مَا جَاءَ فِي الذَّبْحِ لِغَيْرِ اللهِ
لماذا قال: (بَابُ مَا جَاءَ) ولم يقل: (من الشِّرك الأكبر الذَّبح لغير الله)؟
- أراد أن يمرِّن الطَّالب على أخذ الحكم من الدَّليل، وهذا من التَّربية العمليَّة.
- أو لأنَّ الذَّبح لغير الله ينقسم إلى قسمين جائزٍ وشركٍ أكبر.
الدَّليلان الأوَّل والثَّاني:
[1] وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَه ﴾ الآيَةَ.
[2] وَقَوْلِهِ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴾.
- · ﴿قُلْ﴾: قل لهؤلاء المشركين مُعلنًا لهم قيامك بالتَّوحيد الخالص.
- · ﴿صَلاتِي﴾: أعمالي البدنيَّة، ومن أفضلها الصَّلاة سواءٌ كانت فريضةً أو نافلةً.
- · ﴿نُسُكِي﴾: ذبيحتي، أعمالي الماليَّة، ومن أفضلها الذَّبح لله تعالى.
- · ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾: أي التَّصرُّف فيَّ وتدبير أمري حيًّا وميتًا لله تعالى.
- · ﴿أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾: [1] أوَّليَّةً إضافيَّةً، أي: أنا أوَّل المسلمين من هذه الأمَّة.
[2] أوَّليَّةً مُطلَقةً، ويكون المُراد: أعظم النَّاس إسلامًا وأتمَّهم انقيادًا في الأمم.
- ﴿ وَانْحَرْ ﴾: اجعل ذبحك لله كما أنَّ صلاتك له، والنَّحر من العبادات.
أقسام الذَّبح:
| ذبحٌ لله تعالى: كالهدي، والأضاحي، والعقيقة، صرفه لغير الله شركٌ أكبر. | ذبحٌ مباحٌ: كشاة اللَّحم، وإكرام الضَّيف، والتِّجارة. | ذبحٌ لغير الله محبَّةً وتعظيمًا: (شركٌ أكبر) كالذَّبح لأصحاب القبور والجنِّ. |
الدَّليل الثَّالث:
عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﭬ قَالَ: حَدَّثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: «لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ، لَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ، لَعَنَ اللهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا، لَعَنَ اللهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الأَرْضِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
· «لَعَنَ»: اللَّعن من الله هو الطَّرد والإبعاد من رحمة الله، يحتمل أنَّه ﷺ يخبر أنَّ الله لعن من ذبح لغير الله، أو أنَّه يدعو: اللَّهمَّ العن من ذبح لغير الله.
الدَّليل الرَّابع:
وَعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «دَخَلَ الْـجَـنَّةَ رَجُلٌ فِي ذُبَابٍ، وَدَخَلَ النَّارَ رَجُلٌ فِي ذُبَابٍ»، قَالُوا: وَكَيْفَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «مَرَّ رَجُلَانِ عَلَى قَوْمٍ لَهُمْ صَنَمٌ، لَا يَجُوزُهُ أَحَدٌ حَتَّى يُقَرِّبَ لَهُ شَيْئًا، فَقَالُوا لِأَحَدِهِمَا: قَرِّبْ، قَالَ: لَيْسَ عِنْدِي شَيْءٌ أُقَرِّبُ، قَالُوا لَهُ: قَرِّبْ وَلَوْ ذُبَابًا، فَقَرَّبَ ذُبَابًا؛ فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ، فَدَخَلَ النَّارَ، وَقَالُوا لِلآخَرِ: قَرِّبْ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ لأُقَرِّبَ لِأَحَدٍ شَيْئًا دُونَ اللهِ ۵، فَضَـرَبُوا عُنُقَهُ، فَدَخَلَ الْـجَنَّةَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ.
· «فِي ذُبَابٍ»: في هنا سببيَّةٌ، أي بسبب ذُبابٍ.
المسائل:
الْأُولَى: تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي ﴾.
الثَّانِيَةُ: تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴾.
الثَّالِثَةُ: الْبَدَاءَةُ بِلَعْنَةِ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اَللَّهِ (لأنَّه من الشِّرك، وحقُّ الله أعظم الحقوق).
الرَّابِعَةُ: لَعْنُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ، وَمِنْهُ أَنْ تَلْعَنَ وَالِدَيِ اَلرَّجُلِ فَيَلْعَنَ وَالِدَيْكَ (لأنَّ السَّبب بمنزلة المباشر، أو يلعن والديه مباشرةً).
الْخَامِسَةُ: لَعْنُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا، وَهُوَ اَلرَّجُلُ يُحْدِثُ شَيْئًا يَجِبُ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ؛ فَيَلْتَجِئُ
إِلَى مَنْ يُجِيرُهُ مِنْ ذَلِكَ (ومن ناصرهم أشدُّ وأعظم ممَّن حماهم، والإحداث يكون:
[1] في الدِّين؛ كالبدع الَّتي أحدثها الجهميَّة والمعتزلة والرَّافضة وغيرهم.
[2] في شؤون الأمَّة؛ كالجرائم وشبهها، فيؤوي اللُّصوص وقُطَّاع الطُّرق).
السَّادِسَةُ: لَعْنُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الأَرْضِ، وَهِيَ المَرَاسِيمُ الَّتِي تُفَرِّقُ بَيْنَ حَقِّكَ وَحَقِّ جَارِكَ مِنَ الأَرْضِ، فَتُغَيِّرُهَا بِتَقْدِيمٍ أَوْ تَأْخِيرٍ.
السَّابِعَةُ: الفَرْقُ بَيْنَ لَعْنِ المُعَيَّنِ وَلَعْنِ أَهْلِ المَعَاصِي عَلَى سَبِيلِ العُمُومِ (فالأوَّل ممنوعٌ، والثَّاني جائزٌ، فالمُعيَّن ليس لك أن تلعنه، والأصل عدم جواز إطلاق اللَّعن).
الثَّامِنَةُ: هَذِهِ القِصَّةُ العَظِيمَةُ، وَهِيَ قِصَّةُ الذُّبَابِ (على القول بصحَّتها).
التَّاسِعَةُ: كَوْنُهُ دَخَلَ النَّارَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الذُّبَابِ الَّذِي لَمْ يَقْصِدْهُ، بَلْ فَعَلَهُ تَخَلُّصًا مِنْ شَرِّهِمْ (لأنَّ الإكراه لم يكن عُذرًا مَقبولًا في الأُمم السَّابقة).
الْعَاشِرَةُ: مَعْرِفَةُ قَدْرِ الشِّرْكِ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ؛ كَيْفَ صَبَرَ ذَلِكَ عَلَى القَتْلِ وَلَمْ يُوَافِقْهُمْ عَلَى طَلَبِهِمْ، مَعَ كَوْنِهِمْ لَمْ يَطْلُبُوا إِلَّا العَمَلَ الظَّاهِرَ؟! (إذا كان في موافقته وعدم صبره ضررٌ على الإسلام، فإنَّه يصبر، وقد يجب الصَّبر).
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ الَّذِي دَخَلَ النَّارَ مُسْلِمٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَافِرًا؛ لَمْ يَقُلْ: «دَخَلَ النَّارَ فِي ذُبَابٍ» (فكان تقريبه هو السَّبب في دخوله النَّار).
الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: فِيهِ شَاهِدٌ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «الجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ» (والغرض من هذا التَّرغيب والتَّرهيب).
الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: مَعْرِفَةُ أَنَّ عَمَلَ القَلْبِ هُوَ المَقْصُودُ الأَعْظَمُ، حَتَّى عِنْدَ عَبَدَةِ الْأَصْنَامِ (والدَّواء للقلب الكتاب والسُّنَّة، فلا تشغل قلبك بالدُّنيا).
هل الأولى للإنسان إذا أُكره على الكفر أن يصبر ولو قُتل، أو يوافق ظاهرًا ويتأوَّل؟
- أن يوافق ظاهرًا وباطنًا، وهذا لا يجوز لأنَّه ردَّةٌ.
- أن يوافق ظاهرًا لا باطنًا، ولكن يقصد التَّخلُّص من الإكراه؛ فهذا جائزٌ.
- أن لا يوافق لا ظاهرًا ولا باطنًا ويُقتل، وهذا جائزٌ، وهو من الصَّبر، هذا إذا كان موافقة الإكراه يترتَّب عليها ضررٌ في الدِّين للعامَّة، وإلَّا وافق ظاهرًا لا باطنًا.