[30] بَابُ مَا جَاءَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ بِالْأَنْوَاءِ
- شركٌ أكبر: أن يدعو الأنواء بالسُّقيا، أو يعتقد أنَّها تفعل وتقضي الحاجات.
- شركٌ أصغر: أن يعتقد أنَّها سببٌ وأنَّ الله هو الخالق الفاعل.
الدَّليلان الأوَّل والثَّاني:
[1] وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾.
[2] وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْـجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ بِالأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ، وَالِاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ»، وَقَالَ: «النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا؛ تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
- · ﴿ تُكَذِّبُونَ﴾: تُكذِّبون أنَّه من عند الله، حيث تضيفون حصوله إلى غيره.
- · «أَرْبَعٌ»: ليست للحصر؛ لأنَّ هناك أشياء تشاركها، وإنَّما يقول ﷺ ذلك من باب حصر العلوم وجمعها بالتَّقسيم والعدد؛ لأنَّه يُقرِّب الفهم ويثبِّت الحفظ.
- · «الْـجَاهِلِيَّةِ»: ما قبل البعثة، والغرض التَّقبيح والتَّنفير منها، وكلُّها جهلٌ وقُبحٌ.
- · «لَا يَتْرُكُونَهُنَّ»: فيه إخبارٌ وتحذيرٌ، وليس إقرارًا.
- · «الْفَخْرُ بِالأَحْسَابِ»: أي يتعالى ويتعاظم بما له من شرفٍ وسُؤددٍ، والفخر يكون بتقوى الله الَّذي يمنع من التَّعالي والتَّعاظم، وكلَّما ازدادت نعم الله عليه ازداد تواضعًا للحقِّ وللخلق.
- · «وَالطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ»: يعيب أصل الإنسان؛ كأن يقول: أنت ابن الدَّبَّاغ.
- · «وَالِاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ»: هذا هو الشَّاهد، ومعناه أن يُنسَب المطر إلى النُّجوم.
- · «وَالنِّيَاحَةُ»: رفع الصَّوت بالبكاء على الميِّت قصدًا على سبيل النَّوح.
- · «تُقَامُ» من قبرها،«سِرْبَالٌ» ثوبٌ سابغ، «قَطِرَانٍ» الزِّفت أو النُّحاس المُذاب، «جَرَبٍ» مرضٌ يكون في الجلد يتأثَّر بأيِّ شيءٍ يَمسُّه، والمعنى أنَّ كلَّ جلدها
يكون جربًا بمنزلة الدِّرع، وإذا اجتمع قطرانٌ وجربٌ زاد البلاء، والحكمة أنَّها لمَّا لم تُغَطِّ المصيبة بالصَّبر غُطِّيت بهذا، فالجزاء من جنس العمل.
سمي يوم القيامة بهذا الاسم لـقيام:
| النَّاس: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. | الأشهاد: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾. | الموازين: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. |
الدَّليلان الثَّالث والرَّابع:
[3] وَلَهُمَا عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ رضي الله عنه قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْـحُدَيْبِيَةِ، عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟» قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ؛ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا؛ فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ».
[4] وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَعْنَاهُ، وَفِيهِ: قَالَ بَعْضُهُمْ: لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذَا وَكَذَا؛ فَأَنْزَلَ اللهُ هٰذه الآيَاتِ: ﴿۞ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿ تُكَذِّبُونَ ﴾.
- · ﴿ فَلَا﴾: لا للتَّنبيه، بمعنى: انتبه، أقسم بمواقع النُّجوم.
- الفائدة من إقسامه سبحانه مع أنَّه صادقٌ دون حاجةٍ إلى القسم:
- أنَّ هذا أسلوبٌ عربيٌّ؛ لتأكيد الأشياء بالقسم.
- أنَّ المُؤمن يزداد يقينًا، ولا مانع من زيادة المُؤكِّدات الَّتي تزيد يقين العبد.
- أنَّ الله يقسم بأمورٍ عظيمةٍ دالَّةٍ على كمال قدرته وعظمته وعلمه.
- التَّنويه بحال المُقسَم به؛ لأنَّه لا يقسم إلَّا بشيءٍ عظيمٍ.
- الاهتمام بالمُقسَم عليه، وأنَّه جديرٌ بالعناية والإثبات.
- ﴿ كَرِيم﴾: معناه: [1] البهيُّ الحَسَن، فالقرآن لا أحسنَ منه، [2] كثير العطاء، يُعطي أهله من الخيرات الدِّينيَّة والدُّنيويَّة والجسميَّة والقلبيَّة.
- · ﴿فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾: اللَّوح المحفوظ أو الصُّحف الَّتي في أيدي الملائكة.
- · ﴿ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾: الملائكة، وفيها إشارةٌ إلى أنَّ من طهَّر قلبه من المعاصي كان أفهم للقرآن.
- · ﴿ تَنزِيلٌ ﴾: فيها: [1] أنَّ القرآن نازلٌ لجميع الخلق، وعموم رسالته.
[2] أنَّه نازلٌ من ربِّهم، وإذا كان كذلك؛ فهو الحكم بينهم الحاكم عليهم.
[3] أنَّ نزول القرآن من كمال رُبوبيَّة الله، وفيه أنَّ القرآن رحمةٌ للعباد.
[4] أنَّ القرآن كلام الله، مُنزَّلٌ غير مخلوقٍ.
- · ﴿مُّدْهِنُونَ﴾: تخافون، لا ينبغي لكم ذلك، ينبغي لمن معه القرآن أن يصدع به.
- · ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾: تجعلون شُكركم تكذيبًا، وهذا من السَّفه.
المسائل:
الْأُولَى: تَفْسِيرُ آيَةِ الْوَاقِعَةِ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾.
الثَّانِيَةُ: ذِكْرُ الْأَرْبَعِ الَّتِي مِنْ أَمْرِ الْـجَاهِلِيَّةِ (الْفَخْرُ بِالأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ، وَالِاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ).
الثَّالِثَةُ: ذِكْرُ الْكُفْرِ فِي بَعْضِهَا (الاستسقاء والطَّعن والنِّياحة).
الرَّابِعَةُ: أَنَّ مِنَ الْكُفْرِ مَا لَا يُخْرِجُ مِنَ الْـمِلَّةِ (وهي الاستسقاء بالأنواء: بعضه كفرٌ مُخرجٌ من الملَّة، وبعضه كفرٌ دون ذلك).
الْـخَامِسَةُ: قَوْلُهُ: «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ»؛ بِسَبَبِ نُزُولِ النِّعْمَةِ (الواجب على الإنسان إذا جاءته النِّعمة أن لا يضيفها إلى أسبابها مُجرَّدةً عن الله).
السَّادِسَةُ: التَّفَطُّنُ لِلْإِيمَانِ فِي هَذَا الْـمَوْضِعِ (بنسبته إلى فضل الله ورحمته).
السَّابِعَةُ: التَّفَطُّنُ لِلْكُفْرِ فِي هَذَا الْـمَوْضِعِ (بنسبته إلى النَّوء).
الثَّامِنَةُ: التَّفَطُّنُ لِقَوْلِهِ: «لَقَدْ صَدَقَ نَوْءُ كَذَا وَكَذَا» (أي بتنفيذه ووعده).
التَّاسِعَةُ: إِخْرَاجُ الْعَالِمِ لِلْـمُتَعَلِّمِ الْـمَسْأَلَةَ بِالِاسْتِفْهَامِ عَنْهَا؛ لِقَوْلِهِ: «أَتَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟» (وهذ يوجب استحضار قلوبهم، وهذا من حسن تعليمه ﷺ).
الْعَاشِرَةُ: وَعِيدُ النَّائِحَةِ (سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ).