[29] بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّنْجِيمِ
ولم يقل: (من الشِّرك)؛ لأنَّ فيه تفصيلًا: علمُ تأثيرٍ، وعلم تسييرٍ، وقد تقدَّم هذا.
الدَّليل الأوَّل إلى الثَّالث:
[1] قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي «صَحِيحِهِ»: قَالَ قَتَادَةُ: (خَلَقَ اللهُ هٰذه النُّجُومَ لِثَلَاثٍ: زِينَةً لِلسَّمَاءِ، وَرُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ، وَعَلَامَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا، فَمَنْ تَأَوَّلَ فِيهَا غَيْرَ ذَلِكَ أَخْطَأَ، وَأَضَاعَ نَصِيبَهُ، وَتَكَلَّفَ مَا لَا عِلْـمَ لَهُ بِهِ). انْتَهَى.
[2] وَكَرِهَ قَتَادَةُ تَعَلُّمَ مَنَازِلِ الْقَمَرِ، وَلَمْ يُرَخِّصِ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِيهِ. ذَكَرَهُ حَرْبٌ عَنْهُمَا.
[3] وَرَخَّصَ فِي تَعَلُّمِ الْـمَنَازِلِ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ.
- كلُّ من حرَّم تعلُّم منازل النُّجوم من السَّلف يُحمَل قوله على علم التَّأثير.
- وكلُّ من أجاز تعلُّم منازل النُّجوم من السَّلف يُحمَل قوله على علم التَّسيير.
الدَّليل الرَّابع:
وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْـجَنَّةَ: مُدْمِنُ الْـخَمْرِ، وَقَاطِعُ الرَّحِمِ، وَمُصَدِّقٌ بِالسِّحْرِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي «صَحِيحِهِ».
- · «لَا يَدْخُلُونَ الْـجَنَّةَ»: هذا من أحاديث الوعيد الَّتي تُمَرُّ كما جاءت ولا يُتعرَّض لمعارضتها للنُّصوص الأخرى (الوعد)، وهذا أبلغ في الزَّجر.
- «مُدْمِنُ الْـخَمْرِ»: الَّذي يشرب الخمر كثيرًا، والخمر هو كلُّ ما يغطِّي العقل على جهة اللَّذَّة والطَّرب.
- · «وَقَاطِعُ الرَّحِمِ»: الرَّحم هي القرابة، وصلة الأرحام الَّتي لم تُحدَّد في الشَّرع مرجعها إلى العرف، ما لم يخالف الشَّرع.
- · «وَمُصَدِّقٌ بِالسِّحْرِ»: هذا هو الشَّاهد، وفيه أنَّ علم التَّنجيم نوعٌ من السِّحر.
مبحثٌ في الكبائر
- تعريف الكبيرة: عرَّفها شيخ الإسلام رحمه الله بأنَّها: (كلُّ ما رُتِّب عليه عقوبةٌ خاصَّةٌ) مثل: اللَّعن، أو الغضب، أو الطَّرد، أو البراءة من فاعله، أو أنَّه من الكافرين أو المشركين، أو ليس من المؤمنين، أو شُبِّه بأقبح الحيوانات...
- حكم فاعلها: مؤمنٌ بإيمانه فاسقٌ بكبيرته، تحت مشيئة الله؛ إن شاء عذَّبه وإن شاء غفر له.
- هل الكبائر معدودةٌ أم محدودةٌ؟ محدودةٌ بالتَّعريف السَّابق؛ لا معدودةٌ.
- هل الكبائر أكبر أم الشِّرك الأصغر؟ المعاصي تبدأ بالصَّغائر ثمَّ الكبائر ثمَّ الشِّرك الأصغر ثمَّ الأكبر؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ ﴾، وقول ابن مسعودٍ رضي الله عنه: (لَأن أحلف بالله كاذبًا خيرٌ من أن أحلف بغيره صادقًا) والحلف بالله كاذبًا كبيرةٌ والحلف بغيره ولو صادقًا شركٌ أصغر.
- هل الكبائر تُكفَّر بالعمل الصَّالح أو لابدَّ لها من توبةٍ؟ لا بدَّ لها من توبةٍ، لقوله ﷺ: «النَّائِحَةُ إِنْ لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا...»، و«... إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ...».
- هل تصحُّ التَّوبة من بعضها دون البعض الآخر؟ نعم تصحُّ التَّوبة من البعض دون البعض الآخر، مع ضرورة الإقلاع عن كلِّ المعاصي.
- هل يُحَبُّ فاعل الكبيرة أم يُبغَض؟ يُحبُّ بقدر ما معه من الإيمان، ويُبغض بقدر ما معه من المعصية، ولا يُجالس حال ارتكابه للكبيرة.
- هل الكبائر تتفاوت؟ نعم تتفاوت، لقوله ﷺ: «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟».
- كيف نسمِّي مرتكب الكبيرة؟ هو مؤمنٌ بإيمانه فاسقٌ بكبيرته، وهو مؤمنٌ ناقص الإيمان، ولا نقول كالمرجئة: مؤمنٌ كامل الإيمان، ولا كالخوارج: كافرٌ.
المسائل:
الْأُولَى: الْحِكْمَةُ فِي خَلْقِ النُّجُومِ (زينةً للسَّماء / رجومًا للشَّياطين / علاماتٍ).
الثَّانِيَةُ: الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ غَيْرَ ذَلِكَ (علم التَّأثير).
الثَّالِثَةُ: ذِكْرُ الْخِلَافِ فِي تَعَلُّمِ الْـمَنَازِلَ.
الرَّابِعَةُ: الْوَعِيدُ فِيمَنْ صَدَّقَ بِشَيْءٍ مِنْ السِّحْرِ، وَلَوْ عَرَفَ أَنَّهُ بَاطِلٌ.